تصوروا إنسانا ضعيفا أعزل أمام أسد جائع له ثلاثة أيام لم يأكل، فلما رآه الأسد بدأ يزأر ويتقدم ويتأخر، والناس أيديهم على قلوبهم من المعركة غير المتكافئة، وأبو الحسن الزاهد قد أطرق مليا، لا يتحرك منه عضو في جسده كأنه لا يبالي، وبدأ يهدر هذا الأسد والناس بين خائف، ومكبر، ووجل، ووجدوا أن الأسد يتقدم ويتأخر، ثم جاء وطأطأ برأسه على أبي الحسن الزاهد وشمه ثم ذهب، وبدأ يفعل هذا برهة من الزمن، ثم طأطأ رأسه وانصرف في زاوية من المكان، وجلس ولم يمس أبا الحسن الزاهد بسوء، وكبر الناس وتعجبوا.
فقال أحمد بن طولون: ائتوني به، فجاءوا بالإمام الزاهد فسأله وقال: أريد أن أسألك سؤالا بماذا كنت تفكر والأسد يزأر ويصيح ويرفع صوته؟ قال: إن الأسد عندما جاء وشمني ومس ثوبي جلست أتأمل هل لعاب الأسد طاهر أو نجس؟ هذه القضية التي تشغله. قال: أما خفت من الأسد؟ قال: أبدًا؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - يكفيني إياه [1] .
54 -الأوزاعي مع الحاكم العباسيي
روي أن الإمامُ الأوزاعي ذلكم الإمامُ المحدثُ الورعُ الفقيه حين دخل عبدُ الله بن علي ذلكم الحاكمُ العباسيُ دمشقَ في يوم من الأيام فقتلُ
فيها ثمانيةً وثلاثين آلفَ مسلم ثم يُدخلُ الخيولَ مسجدَ بني أميةَ، ثم يتبجحُ ويقول: من ينكرُ علي في ما أفعل؟ قالوا لا نعلمُ أحدًا غير الإمامُ الأوزاعي فيرسل من يستدعيه، فعلمَ الإمام الأوزاعي أنه الامتحان وعلم أنه الابتلاء، وعلم أنه إما أن ينجحَ ونجاحٌ ما بعدَه رسوب، وإما أن يرسبَ ورسوبٌ ما بعده نجاح، فماذا كان من هذا الإمام؟ قام واغتسلَ وتحنطَ وتكفن ولبس ثيابه من على كفنه، ثم أخذَ عصاه في يده، ثم اتجه إلى من حفظه في وقت الرخاء فقال: يا ذا العزةِ التي لا تضام، والركنَ الذي لا يرام يا من لا يهزمُ جندُه ولا يغلبُ أوليائهُ أنتَ حسبي ومن كنتَ حسبَه فقد كفيتَه، حسبي اللهُ ونعم الوكيل ثم ينطلقَ وقد توكل على الله - سبحانه وتعالى - انطلاقة الأسد إلى ذلك الحاكم وقد صفَ وزراءه وصف سماطين من الجلود يريد أن يقتله وأن يرهبه بها قال فدخلت وإذ السيوف وإذ السماط معد، وإذا الأمور غير ما كنت أتوقع
(1) «صور من الثبات على الإيمان» للمؤلف (ص 107) .