إقامته فاختارت البقاء» [1] وهكذا كان ابن القاسم - رحمه الله - حريصًا على طلب العلم وعانى من أجل ذلك فراق زوجته ووطنه ثم عانى السهر من أجل تحصيل العلم فأضحى بعد ذلك مصباحا يُنيرو ويُهتدى بعلمه.
إذا النفوس كن كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
77 -حرص بقي بن مخلد الأندلسي:
ومن هؤلاء العلماء الذين تحملوا المشاق والغربة في تحصيل العلم. بقي بن مخلد الأندلسي - رحمه الله -
رحل إلى بغداد ماشيا على قدميه وكان جل بغيتة أن يلقي إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله - ليأخذ عنه العلم حكى عنه أنه قال لما قربت من بغداد أتصل بي خبر المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل، وأنه ممنوع من الاجتماع إليه والسماع منه، فاغتممت بذلك غما شديدا، فاحتللت الموضع فلم أعرج على شيء بعد إنزالي متاعي في بيت اكتريته في بعض الفنادق أن أتيت المسجد الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الخلق وأسمع ما يتذكرونه فدفعت إلى حلقة نبيلة فإذا برجل يكشف عن الرجال فيضعف ويقوي، فقلت: من هذا؟ لمن كان قربي فقال: هذا يحيى بن معين فرأيت فرجه قد انفرجت قربه فقمت إليه فقلت له أبا ذكريا رحمك الله: رجل غريب نائي الدار، أردت السؤال فلا تستخفني فقال لي: قل فسألته عن بعض من لقيت من أهل الحديث فبعضا يزكي وبعضا جرح، فسألته في آخر السؤال عن هاشم بن عمار وكنت قد أكثرت من الأخذ منه فقال أبو الوليد هاشم بن عمار صاحب صلاة دمشقي ثقة فوق الثقة، ولو كان تحت ردائه كبر وتقلد كبرا ما ضره شيئًا لمخبرة وفضله فصاح أهل الحلقة يكفيك رحمة الله عليك غيرك له سؤال. فقلت وأنا واقف على قدمي أكشفك عن رجل واحد: أحمد بن حنبل؛ فنظر إلي يحيى بن معين كالمتعجب وقال لي: «ومثلنا نحن يكشف عن أحمد بن حنبل؟! إن ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفضلهم، فخرجت أستدل على منزل أحمد بن حنبل فدللت عليه فقرعت بابه فخرج إلي وفتح الباب فنظر إلى رجل لم يعرفه، فقلت: يا أبا
(1) «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» (1/ 157) .