لعل سمة نابليون الأكثر تمييزأ، فكرية، كانت خياله الخلاق، الذي لم يضف الطابع الأدبي الشديد على رسائله فحسب، بل ومكنه من تصور الأشياء كا كانت ستكون عليه بعد تنفيذ هذا أو ذلك المسلسل من الخطوات. وجمع إلى ذلك قدرة وهيبة على الحساب، مما أتاح له التنبؤ بدقة حول موقع المعركة الحاسمة قبل حدوثها بعدة أسابيع، في حالة موثقة واحدة على الأقل. (16) . وأكد قول معاصر أن «نابليون يفكر دوما بسرعة أكبر من غيره (17) ، بينما أكد آخر أنه «يعلم بكل شيء ويفعل كل شيء ويقدر على كل شيء» (18) .
كان بمقدور نابليون، ذلك السيد المهنته، أن يقوم شخصيا بكل ما يتعلق بالحرب - حسب كلماته هو، وأتاحت له حالة صحية حديدية، حتى عام 1812 على الأقل، أن يكون في كل مكان وأن يرى كل شيء وينفذ المنجزات الجسدية المدهشة - تمضية عشرة أيام في خيمة وسط درجات حرارة تحت الصفر قبل موقعة اوسترليتز، أو اجتياز 100 ميلا على ظهر حصانه خلال أربع وعشرين ساعة في إسبانيا. وكان نابليون يحتاج إلى النوم، خلافا للأساطير، لكنه استطاع أن يوزع النوم على مدار الساعة، وأن يستدعيه عند اللزوم - بضعة ساعات في المساء المتأخر، وبضعة ساعات أخرى في الصباح الباكر، وربما استراحة وجيزة خلال النهار، ولم يسمح حتى لأهم الأحداث أن تبقيه مستيقظا، فأمضى الساعة الأخيرة قبل معركة واترلو، أي بين العاشرة والحادية عشرة صباح 15 حزيران (يونيه) 1815، نائية
وحين لم يكن نائية، كان نابليون بعمل - خلال الاستحمام، بالمسرح، وأثناء تناول وجبات الطعام السريعة. فمثل العمل الوسط الذي عاش فيه، بكلماته مرة أخرى (19) . وكان يعمل لمدة ثماني عشرة ساعة من أصل أربعة وعشرين ساعة يوميا كعادة دائمة أثناء الحملات، إنما أمكنه تجاوز حتى ذلك حين تطلب الظرف. فكان. لا ينام مطلقة تقريبا لعدة أيام متتالية عشية معركة مهمة ما، كما في فاغرام عام 1809. وشاهدت ساعات النهار النشاط الهائل الدؤوب: السفر، التفتيش، الاستعراض الالتقاء بالمرؤوسين وغيرهم من الوجهاء، الاستطلاع، جمع الاستخبارات، استجواب الأسرى والسكان المحليين. وأتاح له كل ذلك أن يرى لنفسه ويسمح لنفسه ومنعه من التحول اسيرة لأركانه. إنما أمضى لياليه، بالمقابل، في المجلس: وتلفي عندئذ التقارير وقارنها، ورسم الخطط، وأصدر الأوامر، وكتب