تكنولوجي من أي نوع كان، باستثناء خدمة الاتصالات البعيدة المدى التي قدمتها برقيات شاب لتربط الجيش الميداني بباريس (13) . فقد قفزت الأركان والتنظيمات قفزة كبيرة إلى الأمام، لكن ظل الحصان حصانا ولزم نسخ الأوامر بدوية بصعوبة ودون الاستفادة من أي عنصر مساعد متقدم كورق الكاربون. ويعني ما سبق إذن، بالتحليل النهائي، أنه لا يمكن فهم نظام قيادة نابليون بل ومجمل الثورة التي أحدثها الفن الحربي مجرد على أساس الأساليب والتنظيمات والإجراءات المتبعة آنذاك. بل
جاءت ثورته كنتيجة لأحد الأنفجارات النادرة للطاقة البشرية التي قد تضيء مسار التاريخ، مثل النجوم اللامعة.
لا يمكن أن يتمثل غرض البحث بتحليل السمات الشخصية للقائد (يزعم أن ستالين قد قال في إحدى المناسبات إلى نائب وزيره للحربية: لا نملك محزونة من أمثال هندبيرغ») ، لكن لا بد من السماح باستثناء لحالة نابليون، فهو الذي خلق نظام القيادة الذي عمل من خلاله، أكثر من أي شخص بين سابقيه أو خلفائه: فكان ذلك النظام مصما على القيامة، إذا أجاز التعبير، كي يلائم مقايسه هو. ويرجح أن أحدا غيره ما كان سيقدر على تشغيل مثل ذلك النظام، لكن من المؤكد أن غيابه كان سيؤدي إلى انهيار النظام (كما حصل فعلا في إسبانيا، حيث ظهر شخصية لبرهة فقط) (14)
نابليون بونابرت: ذلك المتمح الكبير بنفسه الذي أودى بأرواح مئات الآلاف وهم يهتفون له. فتمتع بالثقة غير المحدودة بالذات، المرفقة بالتفاؤل العظيم وبالقناعة بأن كل شيء سيسير على ما يرام. وتساعد هذه الصفة في تفسير قدرته على معالجة عدم اليقين، كأي جانب فني من جوانب نظام قيادته. ولم يأبه نابليون مطلقة للضغط، فكتب في إحدى المناسبات: اقل من يقدر على تصور القوة المعنوية الهائلة المطلوبة لإطلاق إحدى تلك المعارك التي تحسم مصير الجيوش والبلدان والعروش» (15) . وتمتع أخيرا بذلك الشيء الذي أحب أن يطلق عليه لقب «النار المقدسة، (افو ساکريه 1) ، تلك السمة المميزة للمحارب، العزم المطلق على الفوز أو القضاء بعزة