للقيادة. وتنبع علاقة تلك الفترة بالحاضر من الحدود التي فرضتها الوسائل الفنية المتوافرة على القيادة، بل وأساسا من الطرق المتبعة أحيانا لتجاوز تلك الحدود
هل وجدت الاستراتيجية، والقيادة الاستراتيجية بالتالي، قبل 1800؟ ولعل هذا السؤال سيفاجيء بعض المؤرخين العسكريين، نظرا إلى عزمهم على نبش أمثلتهم من كل حملة وقعت منذ الماراتون (490 قبل الميلاد) فصاعد. لكنني أطرح، في هذا الفصل، أن الاستراتيجية بالمعنى الذي أسسه نابليون وجوميني وكلاوزفيتز كادت أن توجد قبل زمنهم، وإن ذلك عاد قبل كل شيء إلى حقيقة أن القيادة الاستراتيجية استحالت ممارستها تقريبا (3)
وجدت الاستراتيجية دومأ، طبعا، بمعنى من المعاني. ومنع القادة العامون دومة بعدد من البدائل. وقد اضطر القادة، بعد اتخاذ القرار بخوض الحرب، بالاختيار بين الانتقال إلى الهجوم والبحث عن العدو) وبين البقاء بالدفاع (انتظار تلقي ضربته أو ربما تجنبها كليا) . وأمكن تحديد نوع التضاريس لخوض القتال ولتجنبه، مما افترض المعرفة المسبقة للأرض وللموارد التي قد توفرها. وكان قرار القائد حول أي طريق بسلك يعتمد، بالأرجح، على المعلومات المتوافرة لديه - وهي المعلومات الخاصة بحالة قواته وقوات العدو، وبلديها، والمناخ وما إليه. إن الاستراتيجية - أو هل يجب التحدث بالأحرى عن الاستراتيجية العليا - هي سرمدية ولم تتغير البتة تقريبا منذ العصر الحجري حتى يومنا هذا.
وتتشارك هذه العوامل بشيء واحد، لو نظرنا إليها كمعالم تحكم الاستراتيجية، هو أنها تتغير ببطء نسبي. وقلما وجدت البلدان، بالتاريخ، التي استطاعت أن تضاعف قواتها بين ليلة وضحاها، أو أن تغير أساليب قتال قواتها دون التدريب والتحضير: المطولين - بل ورما المطولين جدأ، إذ تنتج التكتيكات عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية أيضا وليس العسكرية الصرفة فحسب، وتتغير التضاريس والمناخ ببطء شديد، كما هو معروف، وإذا تغيرت يحصل ذلك فقط عبر أجيال عديدة. صحيح أنه نشأت بضعة استثناءات، لكن حقيقة المقاومة النسبية التي تبديها المعالم