الصفحة 28 من 316

الانتصارات بالتاريخ لم تنجم عن نظم القيادة الكاملة. بل تم تحقيق النصر، في حالات عديدة، رغم، أو حتى بفضل، طريقة عمل نظام قيادة الجيش، هكذا كان پالماضي، ولا شك أن المستقبل سيكون كذلك، رغم ظهور نظم الاتصال وتصنيف المعلومات الحديثة.

إن وظائف القيادة هي، كما سبق أن قلت، سرمدية. وكان زعيم القبيلة في العصر الحجري سيواجهها - جميعا - طالما وقعت تحت تصرفه قوة من أي حجم كان، تماما مثل خلفه في الوقت الحاضر وكان تنفيذ وظائف قيادته: أبسط بما أن القوات الموجودة بأمرته (وبأمرة العدي) كانت أصغر بكثير، وأبسط وأبطأ في القتال، أيضا. وبالمقابل، فلم يملك الزعيم المعني مواد الكتابة، ولا نذكر المناظير او الآلة الحاسبة، المعاونته في تأدية تلك الوظائف، مما كان سيفرض بدوره القيود الشديدة على حجم وفعالية القوات التي يقدر أن يقودها. ولو طرحنا الواجب الذي قابل الزعيم القبلي في العصر الحجري بالتوازن مع الوسائل المتاحة له لتنفيذه، فلن يوجد ما يدفع إلى الاعتقاد بأن ممارسة القيادة بحد ذاتها قد ازدادت صعوبة منذ أن كشف اسکندر كيفية ممارستها.

صحيح أن وظائف القيادة ليست عرضة للتغير (لكن ليس مستبعد أن تتغير طريقة تنفيذها، وأن تتغير أهميتها النسبية والعلاقة فيما بينها كذلك) ، إنما نتجت الوسائل المتوافرة لديها کانعرفها اليوم، بلا استثناء عن عملية تطور طويلة ومتواصلة، وتتمثل طريقة مفيدة لتصنيف الوسائل بتقسيمها إلى ثلاثة أصناف: التنظيمات، كالأركان أو المجالس الحربية؛ الإجراءات، كطريقة توزيع التقارير داخل مقر القيادة؛ والوسائل الفنية، المتراوحة من الراية حتى الراديو، ويفترض المزيج هذه الأصناف الثلاثة، من حيث المبدأ، أن تصف بنية أي نظام قيادي في لحظة ومكان معينين.

لكن لا يحصل تطور نظم القيادة في فراغ. بل ينتج تطورها جزئية استجابة للمتطلبات المتغيرة. فيتضح أن لواء ميكانيكية حديثة، قادرة على اجتياز 150 ميلا يومية عند الحاجة، لا تمكن قيادته بواسطة الوسائل الفنية أياها التي استخدمت في لواء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت