خيالة نابولونية لا يقدر على اجتياز سوى خمس تلك المسافة. ولا تمكن رؤية، أو حتى مجابهة، معتب يمتد من بحر المانش إلى فردان، آخذين الحرب العالمية الأولى كمثل، بواسطة الملاحظة الشخصية كما جرت العادة لدى القادة في القرون السابقة، فتتطلب التطورات في الأسلحة والتكتيك والاستراتيجية وحشد من العوامل الأخرى نظم القيادة الملائمة. وهكذا، فإن العناصر الأخيرة تجسد انعكاسا لفن الحرب حسب مستواه في كل مرحلة معينة: تتأثر بحالة ذلك الفن وتؤثر به بدورها.
إلا أن للقيادة تاريخها الخاص، مثلها مثل أقسام في الحرب الأخرى، على أن القيادة مستقلة ذاتية إلى حد ما وتستقل عن العناصر الأخرى. ويلاحظ بشكل خاص أن تطورأ ما في أي عنصر يتسبب دوما تقريبا بالتغير في البقية، نظرا إلى تنوع الوسائل المتاحة بتصرفه، فكان الإجراء المتبع بتسليم التقارير التفصيلية اليومية حول القوة، على سبيل المثال، والذي تأسس في أواخر القرن الثامن عشر، هو الذي خلق الاحتياج للأفراد المتخصصين والذي تمخض عنه بالتالي هيئة الأركان العامة الأولى. وغدا القلم والورق، علاوة على المكاتب والخزانات، أهم بكثير من ذي قبل، حين وجدت الأركان. وكان التحول من القيادة الشفوية إلى القيادة العملياتية المكتوبة، الذي أنجز إجمالأ خلال الفترة الممتدة بين 1700 و 1800، أنه أمكن إيلاء اهتمام أكبر للتحليل المنهجي. فتتفاعل العناصر المختلفة لنظم القيادة فيما بينها وبع عمليات القيادة، فتدفع التطور قدما.
وأخيرا، فإن العوامل الخارجية، وخصوصا التكنولوجية، قد أثارت التطورات بالقيادة، في أحيان كثيرة. فأتاح استخدام المنظار، مثلا، لفردريك العظيم أن يؤسس مقر قيادته بموقع ثابت يطل على ساحة المعركة، بدلا من الاضطرار إلى الهرع في ارجائها، كما كانت العادة لدى غوستافوس أدولفوس قبل قرن. ولم يكن الجيش الأميركي في بال صموئيل مورس حين اخترع البرقية، لكن سرعان ما تبينت الأهمية العسكرية للبرقيات حين وجدت. وينطبق الشيء ذاته على الهاتف الذي اخترع أصلا كمنتج جانبي للبحث الخاص بتوفير أجهزة مساعدة الصمم) والراديو. وكان أثر كافة تلك الاختراعات عميقة على التنظيم والإجراءات، بل وعلى إدارة الحرب.
يتسم تطور القيادة، بإيجاز، بالتعقيد مثليا يتسم أي جزء آخرمن فن الحرب. ويضاف إلى ذلك أن دراسته، تقدم معضلات فريدة، التي تؤلف موضوع القسم التالي.