الصفحة 276 من 316

كل شيء عناد الملك العجوز وتشكل تحت ضغط زمني بالغ. ومهما كان المخطط الاستراتيجي الذي من خلف ذلك الانتشار، فإن أحدا لم يفهمه سوى مؤلفه. وتوافرت مظاهر المبادرة من قبل القادة المرؤوسين، بالتأكيد، لكنها استندت بلا استثناء إلى نقص الفهم - أو إلى ما هو أسوأ - وليس إلى أي اتفاق عميق مع استراتيجية

مولتکه.

إنما يمكن النظر إلى القضية الكاملة من زاوية أخرى، وصحيح أن الغرض من خطط تعبئة ونشر الجيش الروسي لم يكن مفهومة تماما حتى لدى أعلى القادة الكبار، لكن بحث الجيش عن اليقين حيث شكل اليقين هدفا واقعية، واستخدم السكك الحديدية والبرقيات لينفذ تلك الخطط بكفاءة نشيطة أذهلت بقية العالم. إلا أن أسلوب القيادة نغير حين احتلت الجيوش مواقعها. فيبدو أن الاتصال البرقي بين مقر القيادة العامة والجيوش الميدانية، بالفترة التي سبقت اجتياز الحدود، قد سار على ما يرام - وذلك ليس مفاجئا، إذ ثبتت الأولى في برلين بينها تحركت الأخرى ببساطة من موقع ريفي معروف إلى آخر (40) - إنما لم تجر محاولة أخرى لتحقيق السيطرة على تحركات الجيوش تفصيلية. وكان يعمل مولتکه مع مرؤوسين ينقصهم كليا أي فهم لأية مخططات استراتيجية ريما حملها، ويسيئون أحيانا إلى الاستقلال الممنوح لهم، لكن اتسمت تلك المخططات بمرونة كافية لاستيعاب الأخطاء أي ترك هامش واسع التأمين أن لا تتطور الأخطاء إلى كوارث. ولم ينشأ مثل ذلك الهامش، في غياب الوسائل الموثوقة للاتصال الجانبي بين الجيوش، إلا عبر تقييد مدى سيطرة مولتکه - حتي على حساب تقليص نفوذ مقر القيادة العامة - وجعل كل جيش قوي مفرده بما يكفي ليصمد حتى يصل الآخر لنجدته، ولزم للبروسيين، بالمعيار ذاته، أن يعملوا بلا احتياطي مرکزي، خلافا لنابليون في 1809، وأدى ذلك إلى تقليص إضافي في نفوذ مقر القيادة العامة فلم يسع مولته إلى تحقيق اليقين من خلال تكييف موارده بدقة حسب مهامها (المجهولة غالبأ) ، بالتالي، بل اتبع سلوكا معاكسأ: فكان القصد من انتشاره الكامل تمكين الجيش من العمل بدون ذلك التكييف الدفيق، مما قلل كمية المعلومات اللازمة لإدارة الحملة، ومما جعل تلك الأوامر الوجيزة الشهيرة ممكنة بالتالي. فكانت الخطة بسيطة، كما كتب هو، وكمن امتحانه بالتنقيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت