الصفحة 316 من 316

أبدأ، إذن، بالأمور التي لم تمثلها الأركان العامة البروسية في عهد مولتکه. فلم تكن آلة بلا روح تنفذ أوامر الرئيس بكفاءة عمياء، كما زعم العديد من معارضيها. ولم تكن هيئة من الرجال المتمتعين بالإعداد الدقيق (يصح التشبيه بالإعداد في السيرك) إلى حد التمكن من التكهن بنوايا قائدهم من بعيد، دون فشل، وبالتالي إلى حد اتخاذ القرارات الصائبة دائما عند تنفيذها، وذلك رغم جهود بعض رؤساء الأركان. ولم تكن التكنولوجيا المتوافرة لديها أفضل من تلك المستخدمة لدى خصومها، رغم حداثتها، بل لعلها كانت أقل فائدة بحملة متحركة تتم داخل أرض العدو نظرة إلى ارتباطها بالأسلاك الثابتة. فلو نظرنا إلى الأركان کا وجدت في 1866 من وجهة نظر نظريات التنظيم الحديثة، نجد أنها لم تكن أمرأ حسن التركيب. فحين دخلت الميدان لم يستند عملها إلى أي تقسيم ثابت للعمل، ولم يكن الفصل بين واجبات الأركان وواجبات الصف صارمة

شكلت النقطة الأخيرة، التي قد تعتبر ضعفأ خطيرة بالمعايير الحديثة، أحد أعظم نقاط قوة الأركان، بالواقع. فلم تصل الأمور بعد إلى حد أن يؤدي الإفراط بالتخصص إلى منع غالبية ضباط الأركان من تبادل الأماكن دون إنذار طويل، بل ومن تنفيذ أية مهمة تطرأ لديهم. وكذلك فإن العمل الكتابي لم يبلغ حد التجاوزات الآلية بعد، کہا تظهر طلبات مولتکه المتكررة لتأكيد وصول أوامره وإشاراته إلى برقية الأمس بالشيفرة، وأتاحت هذه العوامل مجتمعة الحفاظ على تلك الشبكة للاتصال غير الرسمي التي تتسم بالحيوية لضمان العمل السليم لأي تنظيم، والتي تسهل عرقلتها لكن ليس استبدالها نتيجة حدوث فائض من التخصص والإداريات. وحسب وصف فيردي دو فير انوا في كتاباته عن حملني 1896 و 1870، فإن مقر القيادة - على مستوى الجيش أولا، وثم على مستوى القوات البروسية - الألمانية بكاملها - لم يكن بنية رسمية تحتل كل عضو فيها زاويته ودائرة مسؤولياته الثابتتين بقدر كونه لقاء غير رسمي للأصدقاء، يلتقون بانتظام كل يوم ويتناولون الطعام سوية كلا سمحت الظروف، وصحيح أن الأركان كانت أفضل تنظيها - ونظام بث المعلومات الداخلي التابع لها الأكثر شمولا - من أية محاولة سابقة، لكن ظلت حرية الوصول إلى كل ضابط وأي ضابط بالأركان واسعة، مهما كانت رتبته. هذا، ولم يكثر عدد الكتبة secretaries ، أو اللغات الرسمية، أو الإجراءات العملية الروتينية، أو العربات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت