بعث خالد بن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن ومرازبته ووزرائه من أهل المدائن، فيه: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم وسلب ملككم، ووهن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا، أما بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرهن، واعتقدوا مني الذمة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلما قرأوا الكتاب أخذوا يتعجبون.
قاتل خالد في العراق العرب والعجم، وانتصر عليهم كلهم، وما زال الناس يتعجبون منه لما بارز رجلا من العجم - يوم الولجة أحد الأيام المشهورة- كان يعدل بألف رجل، فقتله خالد، ثم اتكأ عليه وأتي بغدائه، فأكله وهو متكئ عليه!
كان يريد أن يرعب أعداء الله ويرهبهم، فما كان فارسا من غير رأي بل جمع الرأي والشجاعة.
وسار خالد في العراق حتى نزل الخورنق والسدير، تلك التي كان العرب يضربون بها الأمثال في أشعارهم، كقول أحدهم:
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
وهناك أُتي خالد بسم ساعة، مَنْ شربه لا يلبث أن يموت، فتناوله خالد وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه أمراؤه ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه .. فلم يضره بإذن الله.
كانت ثقة خالد بالله قوية، ولذا لم يخيب مسعاه.
ثم سار خالد حتى نزل بالأنبار فافتتحها، وتسمى هذه الغزوة ذات العيون، وكادت الفرس لخالد كيدا عظيما طيلة سنة 12 من الهجرة فلم يظفروا منه بشيء.
فلما كان سنة 13 وأراد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو الشام وأن يفتتحها، أرسل جيوشه إلى الشام، أفزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر، فيقال: إنه كان يومئذ