لم يكن خالد في قريش لَقًى ولا مغمورا، بل ورث الشرف فيهم عن أبيه، وقدمه ما عُرف عنه من بأس في الحروب، فقد ذكر الزبير بن بكار: كان خالد أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت القبة والأعنة في الجاهلية.
فأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش.
وأما الأعنَّة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحروب.
وهذا يعني أنَّ الرجل كان مسؤول الحروب في قريش، يقوم اليوم بشخصه مقام وزارة الدفاع في الدول العصرية.
وما زال خالد في قريش مقدم الشجعان، فلما كان في غزوة الحديبية أرسلته قريش إلى الغميم في خيل لها .. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من خيل خالد ..
قال أبو عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال:"فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) .. فصلوا صلاة الخوف."
تلك كانت آخر مشاهد خالد مع قريش، فقد اعتمل قلبه على الإسلام، وراجع الدين الحق.
فروى عمرو بن العاص أنه لما قفل من عند النجاشي في السنة التي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليزوجه بأم حبيبة، فدخل عمرو بن العاص على النجاشي فرأى عمرو بن أمية فقال لأصحابه: لو دخلت على النجاشي، فسألته هذا فأعطانيه لقتلته لأُسر بذلك قريشا.
قال عمرو: فدخلت عليه فسجدت له فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا؟ قلت:
نعم أيها الملك أهديت لك أدما، وقربته إليه، فأعجبه، ففرق منه أشياء بين بطارقته، ثم قلت: إني رأيتُ رجلًا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه فأقتله، فغضب ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من ذلك الذل ما لو انشقت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك: لو ظننتُ أنك تكره ما قلت ما سألتكه. قال: فاستحيا، وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى -عليهما السلام-