بحمص. ويقال: بل كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر قال لهم: ويحكم! إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك، أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم. فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش، كما هي عاداتهم في قلة المعرفة، والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا، فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف .. فسارت الروم حتى نزلوا اليرموك، هنا أرسل أبو بكر إلى خالد بأن ينيب على العراق ويلحق بالشام، فإذا وصل الشام فهو الأمير عليهم.
فاستناب خالد المثنى بن حارثة على العراق، ثم سار خالد مسرعا في تسعة آلاف - ويقال: بل في أقل من ذلك بكثير- ودليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماوة، حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو أرمد، وعطش النوق وسقاها الماء عللا بعد نهل، مرة بعد كرة، وقطع مشافرها وكعمها حتى لا تجتر، وخل أدبارها، واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال: بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها، ووصل، ولله الحمد والمنة، في خمسة أيام، وهذه مغامرة لم يسبق إليها خالد، وعدت من كراماته العظام.
وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد:
لله عينا رافع أنى اهتدى ... فوَّزَ من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها قبلك إنسي أرى
وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية، نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك. فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة، فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السرى .. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها، رضي الله عنه.
أيها المجاهدون اصبروا وصابروا، فعند الصباح والنصر تحمدون السرى والتضحية، ولكم في خالد قدوة ..