الصفحة 31 من 37

وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر، وألزمني حبه.

وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق، فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب، فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم ساق وراءهم إلى حمص، فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق، وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا، فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع، فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه، وأمر بملطية فحرقت، وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص، والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون، فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص، وجعلها بينه وبين المسلمين، وترس بها، وقال هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم.

وعن أبي إسحاق السبيعي: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء. فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم! أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا هم بشرا مثلكم؟! قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم؟! فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني.

كانت معركة اليرموك معركة خالد بن الوليد ولا عزاء للروم بعدها .. وسيذكر الروم جيدا غزوة مؤتة حيث حافظ خالد على بيضة المسلمين فانحاز بمن بقي منهم، وغزوة اليرموك حيث أعمل خالد فيهم السيوف وأجلاهم عن الشام، جلاء لا عودة بعده، أدرك ذلك هرقل فقال كلمته مودعا الشام: وداعا لا لقاء بعده ..

لما ولي الفاروق أمر بعزل خالد، وكتب إلى أبي عبيدة بالإمارة، وقال عمر: لأنزعن خالدا، حتى يعلم أن الله إنما ينصر دينه، يعني: بغير خالد.

فلعل عمر رضي الله عنه رأى افتتان الناس بخالد، فأراد أن يذكرهم أن النصر بيد الله، وليس مرتبطا بإمرة خالد، وفي ذلك من النظر للمسلمين ما يجب على ولاة أمورهم.

وكان قد قال الأبَّاء يمدح خالدا على ما أبلاه الله في قتال أهل الردة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت