توفي، واستخلف عمر، فاستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرها خالد، ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت. وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته، واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو محمية بن زنيم - إلى جانبه.
وقيل في قصة الكتاب والعزل غير ذلك، فقد روى جويرية بن أسماء: لما استفتح خالد بن الوليد دمشق نظر إلى راكب قال وكان خالد من أمد الرجال بصرا قال فنظر إلى راكب على الثنية قال بالعشي قال عشية استفتح دمشق قال فقال كأني بهذا الراكب قد قدم فجاء بموت أبي بكر وخلافة عمر وعزلي قال فجاء الراكب فانساب في الناس قال وكان ذكر شيئا لا أحفظه قال فأتاه أبو عبيدة بكتاب قال فقال له خالد متى أتاك هذا الكتاب قال عشية استفتحت دمشق، قال: فما منعك أن تأتينا به قال كان فتح فتحه الله على يديك فكرهت أن أنغصكه ..
وفي أثناء المعركة خرج جرجة أحد الأمراء الكبار من الصف، واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإنَّ الحر لا يكذب، ولا تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم، فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: «أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين» . ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فقال جرجة: يا خالد، إلام تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، عز وجل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم، وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا. فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: بالله لقد صدقتك، وإن الله ولي ما سألت عنه. فعند ذلك قلب