لم يكن خالد يعلم أن ابن عوف لبسه لعلة، ولم تكن بخالد هذه العلة.
فقد اشتغل خالد بالجهاد حتى خفي عليه بعض الأحكام والقراءة، وليس في ذلك عليه غضاضة.
وكان قدومه إلى المدينة لأجل العمرة كما قال ابن أبي الزناد.
تمرض خالد بالمدينة، فحضرته الوفاة وهو ممدد على فراشه، كان يظن أنه سيقتل بين خفق القنا وطعن البنود، فشهود الحروب مظنة للقتل، والتولي عنها مظنة لطول العمر:
والجود يفقر والإقدام قتال.
ولكن كما كانت حياة خالد عبرة للمؤمنين فقد كانت وفاته كذلك، لم يمت الفارس المقدام، ولا السيف المسلول بضربة سيف ولا بطعنة رمح، بل مات على فراشه، بين يدي أمه .. موتة لم يكن يتمناها السيف المسلول.
وكانت في حياتك لي عظاتٌ ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا
روى عاصم بن بهدلة: عن أبي وائل أظن قال: لما حضرت خالدا الوفاة، قال: لقد طلبت القتل مظانه، فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني، ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار.
ثم قال: إذا مت، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله.
فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن، ما لم يكن نقعا أو لقلقة.
النقع: التراب على الرؤوس.
واللقلقة: الصراخ.
وروى: إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى، قال: خرجت مع أبي طلحة إلى مكة مع عمر، فبينا نحن نحط عن رواحلنا، إذ أتى الخبر بوفاة خالد.
فصاح عمر: يا أبا محمد! يا طلحة! هلك أبو سليمان، هلك خالد بن الوليد.
فقال طلحة:
لا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادا
وما ذلك إلا لأنهم وجدوا بعض الموجدة على عزله، فقد كان محبوبا من الله وخلقه ..
وروى ابن عساكر أن عمر قال متمثلا يرثيه لما بلغه وفاته: