لن يهزم اللَّه قوما أنت قائدهم ... يا بن الوليد ولن يشقى بك الدّبر
كفاك كفّ عذاب عند سطوتها ... على العدوّ وكفّ مرة غفر
وكان من أسباب عزله ما اشتهر عنه من بذل وعطاء لا يعرف الحدود، فكان ينفق في سبيل الله وبين المجاهدين ما طالته يده، ولا شك أن الخليفة يرى في المال ما لا يرى القائد المحارب، فتختلف أنظارهما حينذاك.
قال ابن حجر: وكان سبب عزل عمر خالدا ما ذكره الزبير بن بكّار. قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسّمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حسابا، وكان فيه تقدّم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبو بكر: أقدم على قتل مالك بن نويرة، ونكح امرأته، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الدّية على متمم بن نويرة، وأمر خالدا بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله.
وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
كان خالد وعمر يتشابهان في أشياء كثيرة، حتى ربما ظن الناس أحدهما الآخر، فعن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال كان خالد بن الوليد يشبه عمر يعني في خلقه وصفته فكلم علقمة بن علاثة عمر بن الخطاب في السحر وهو يظنه خالد بن الوليد لشبهه به ..
وقال أسلم مولى عمر: قال عمر لأبي بكر: تدع خالدا بالشام ينفق مال الله؟ قال: فلما توفي أبو بكر، قال أسلم: سمعت عمر يقول: كذبت الله إن كنت أمرت أبا بكر بشيء لا أفعله، فكتب إلى خالد، فكتب خالد إليه: لا حاجة لي بعملك، فولى أبا عبيدة.
نعم، لا حاجة لخالد بالعمل والإمارة، إنما حاجته هي الجهاد، وحاشا لخالد أن يكون طالب إمارة، وأن يقعده عزله في بيته، فقد استمر مع أبي عبيدة جنديا مطيعا، إلا ان خبرته القتالية وقيادته العسكرية قدمته من جديد.
فإنَّ أبا عبيدة لما ولاه عمر على الشام كله، استعمل يزيد على فلسطين، وشرحبيل بن حسنة على الأردن، وخالد بن الوليد على دمشق، وحبيب بن مسلمة على حمص.
وفي قصة العزل لا تدري مم تتعجب، أمن خالد حين مضى جنديا بعد أن كان أميرا، أم من أبي عبيدة الأمين العام لأمة الإسلام، حيث يقول أسلم مولى عمر: عزل عمر خالدا، فلم يعلمه أبو عبيدة، حتى علم من الغير، فقال: يرحمك الله! ما دعاك إلى أن لا تعلمني؟ قال: كرهت أن أروعك ..
ما أروع هذا الجيل، وما أعظم خصائله ..
ولما جاء عمر الجابية في رحلته المشهورة إلى الشام اعتذر للناس عن عزل خالد، وما ذاك فيما نظن إلا لأنه بلغه عنهم كراهية ذلك، وهذا يدل على شدة حب المجاهدين لخالد، وخير الجيوش جيش يحب جنودُه قائدَه.