ما أثبتها وما أولتها من جهة السمع أو العقل؟ ودلالة النصوص على أنه له سمعًا وبصرًا وعلمًا وقدرةً وإرادةً وحياةً وكلامًا، كدلالتها على أن له محبةً ورحمةً ووجهًا ويدين، فدلالة النصوص على ذلك سواء فإن قلت:
إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيهًا وتجسيمًا، وإثبات حقائق ما أولته يستلزم التشبيه والتجسيم، فإن الرحمة رقة في القلب تعتري طبيعة الحيوان ... قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها ومثلها جميع ما أثبتته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه؟. فإن قلت: أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشبهها، قيل لك: فهلاّ أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؟ فإن قلت: هذا لا يعقل، قيل لك: فكيف عقلت سمعًا وبصرًا ليست من جنس صفات المخلوقين؟ فإن قلت: أنا أفرق بين ما يتأول وما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كاليد والوجه فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل قيل لك:
أولًا: العقل قد دل على ما أولته كدلالته على ما أثبته فمثلا: الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دليل على الرحمة ومثلها بقية الصفات التي أولتها.
ثانيًا: هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي سوغ لك نفي مدلوله.
ثالثًا: يقال له إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيهًا وتجسيمًا فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه ...."إلى آخر رده الرصين - رحمه الله -."