الصفحة 18 من 69

هناك على أربعة فرش مبسوطات على الأرض متجاورات، ما تحتهن سرير، تغطيهن البسط والجلود، كان ينام هؤلاء الأولاد الذين ربوا في النعيم، وغذوا بلبان الدلال، تسهر عليهم أم، حملت ما لم تحمله أم، تدرأ عنهم سيل البق الذي يغطي الجدران، وأسراب البعوض التي تملأ الغرفة، والماء الذي ينزل من السقف، تظل الليل كله ساهرة تطفئ بدمع القلب حرق القلب، تذكر ما كانت فيه وما صارت إليه، والأقرباء الموسرين الذين لم يكونوا يخرجون من دار الوالد، كيف تخلو عن الأولاد وأنكروهم؟ حتى جاؤوا يومًا يزورون جار الدار الموسر يهنئونه بالعيد، ولم يطرقوا والله عليهم الباب، لم يعنها أحد ولم يسعدها إلا أخ لها في مصر (محب الدين الخطيب) أمدها بجنيهات مصرية قليلة لم يكن يطيق أكثر منها.

في هذا الجو اقبل الولد وإخوته على الدرس والتحصيل ... وكانت أطراف البلد للثوار، ليس للفرنسيين إلا وسط المدينة، فكانوا يمرون على الموت في طريقهم إلى المدرسة، كل يوم يخترقون جبهة الحرب - الاستحكامات - القائمة أمام جامع التوبة، وصبروا ووثقوا بالله ووفقهم حتى صاروا ...

صار الولد الثاني قاضيًا، وصار أديبًا وشاعرًا مصنفًا، والثالث أستاذًا كبيرًا في الجامعة، وأول من حمل لقب دكتور في الرياضيات في سورية، والرابع مدرسًا موفقًا وداعية وأديبًا، أما الولد الأكبر فلا أقول عنه شيئًا لأن شهادتي فيه مجروحة، فهو صديقي الذي لا أفارقه أبدًا، والذي أكون معه ليلي ونهاري، وأراه كلما نظرت في المرآة، وهو فوق ذلك يحمل اسمًا مثل اسمي (يتحدث الطنطاوي عن نفسه) ""

أما عن حبه لأمه التي ذكر نضالها قبل قليل فكانت حروفه تلمع وأنا أنقلها، لكأنها أوعية من زجاج منشور يدخلها الضوء أبيضًا ويخرج ملونًا.

يقول واصفًا مشاعره"لقد أحببت كثيرًا، وتألمت أكثر مما أحببت، ولكن الحب الحقيقي الواحد الذي انطوى عليه قلبي، والألم الفرد الصادق الذي عرفه، هو حبي لأمي وألمي لموتها، وكل ما عداهما حب كاذب وألم عارض."

إني لأنسى البلاد كلها حتى منازل حبي وربوع هواي، لكني لا أنسى أبدًا ذلك الزقاق الضيق الذي يمتد من العقيبة في دمشق إلى رحبة الدحداح، لأن سعادتي ولدت في أول هذا الزقاق وماتت في آخره حين مات أبي وأمي.

إني لأنظر إليها الآن وهي مريضة على فراشها، كأنما كان ذلك منذ ساعة، فيبكي قلبي، ولا أستطيع أن أكتب عنها حرفًا، لا أحب أن أنشر أحزاني حتى لا تلوكها ألسنة الناس، فليبق الألم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت