الصفحة 50 من 69

حرضت أبنائها الأربعة على الجهاد، وساقتهم إليه سوقًا، أحبت أن ينالوا من شرف الدنيا والآخرة، ولا شرف كالجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق ونصرة دين الله، تمنت أن يظفروا، ويقاتلوا قتال الأشداء، لا يخافون في الله لومة لائم، رافقتهم إلى ساحة الوغى تذكرهم بنعيم الله وتشد أزرهم وتوقظ في نفوسهم همة مسلم اختار لنفسه ما اختاره المسلمون الأوائل، تنظر إليهم بعين الأم الحانية .. وترقب فعالهم، وتفخر على الآخرين بقتلهم هناك مع إخوانهم المسلمين، فكلهم أبناؤها، تساووا في الكرامة والشرف والمكانة.

وأفاضت عليهم من بلاغة الكلمة وروح المقالة،،، لتشحذ هممهم قائلة:

"يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين فأغدوا على قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في الخلد والمقامة ... )) ."

ثم اقتحم الأربعة صفوف العدو، ولم يبال واحد منهم في أي أودية المعركة قضى نحبه وهلك، جالوا بسيوفهم، يحطمون الرؤوس العظام، وينالون من عدوهم نيلًا. حتى أزهقت أرواحهم، وخرجت أرواحهم الحية من أجسادهم ..

بلغ الخنساء خبر استشهاد أولادها، فلم تبكهم ولم ترثهم بقصيدة أو ببيت شعر واحد، ولِم تبكيهم وقد شرفها الله بقتلهم واستشهادهم، فكلهم ماتوا مسلمين، على النقيض من أخويها اللذان ماتا في الجاهلية، فبكت مصيرهم الذي آلوا إليه ..

تلك الخنساء التي حطم قلبها الحزن وأحاطت بها أنباء الفقد في كل طور من أطوار حياتها، اشتغلت بالزهد، وعلمها الإسلام الصبر وكان فيه العزاء. احتسبت أولادها، وكفكفت دمعها، وقالت:"الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجوا من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته"

-عمرو بن كلثوم

(شاعر المعلقة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت