عاد الجيش إلى البصرة، ودارت عين أم إبراهيم في كل ناحية في الجيش فلم تجد ولدها، فخرت ساجدة لله تعالى وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب ظني.
ثم رأت في المنام ولدها في روضة حسناء، وهو على سرير من اللؤلؤ، وعلى رأسه إكليل وتاج وهو يقول: يا أماه أبشري، فقد قبل المهر وزفت العروس!
والده (فروخ) تزوج امرأة رائعة، لم تزدها الأيام إلا إصرارًا على التضحية والجهاد بكل ما تملك لتجعل من ولدها فقيهًا عالمًا ..
زوجها مولى الصحابي الجليل الربيع بن زياد، والذي أعتقه بعد أن نصره الله في مواطن كثيرة، وحصل من سيده بعدها على نصيب من الغنائم.
تزوج فروخ بتلك المرأة، لكن حبه للجهاد والغزو في سبيل الله فاق حبه لها، فأصر على مفاتحتها بالأمر والتصريح لها بذلك بحديث ودود من زوج محب.
كانت زوجته إمرأة مؤمنة عاقلة، تدرك ما أعده الله للمجاهدين في سبيله، وترغب في أن يكون زوجها من السابقين.
في تلك الأثناء كان ربيعة في شهوره الأولى في بطن أمه، واستعد والده للذهاب إلى أرض الجهاد، وأودع زوجته صرة من المال قدرها ثلاثون ألف دينار، وطلب منها أن تنفق منها على ولده بالمعروف، إلى أن يحين موعد عودته إن كان قد بقي له في الحياة معهم نصيب.
وتوالت الأيام تباعًا، حتى حان خروج الوليد، فسمته أمه (ربيعة) .
لم يكد يبلغ ربيعة الأعوام القليلة حتى دفعت به أمه إلى من يعلمه القرآن .. حتى حفظ منه الكثير
وفطنت أمه حينها أن ولدها يمتلك من المواهب ما يجعلها تفكر في أن تذهب به إلى الفقهاء والعلماء لينهل من بحر علمهم، ولم تكن لتبخل على من يقدم لولدها خدمة التعليم ...
فبذلت من المال واغدقت في العطاء، لعل الله أن يبلغ ولدها منازل العلماء وينفع به المسلمين.
واستمرت في نهجها حتى بلغ ولدها الثلاثين،،،
كانت والدة ربيعة قد أيقنت بوفاة زوجها، وخاصة بعد مرور تلك السنوات، لكن فروخ عاد، بعد أن غدا كهلًا، واشتعل رأسه شيبا، عاد على المدينة ولسان حاله يقول: لا أنت أنت ولا الديار ديار.
كل شيء قد تغير .. لكنه لا يزال يحتفظ في ذاكرته بالطريق المؤدية إلى بيته القديم ..