الصفحة 59 من 69

فقالت له أمه: (يا بني أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تمكّن من رقبتك غِلمَان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبِئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتِلَ معك) ...

قال عبد الله: (هذا والله رأيي، والذي قمتُ به داعيًا يومي هذا، ما ركنتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله، ولكنّي أحببتُ أن أعلمُ رأيك، فتزيدينني قوّة وبصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمّه فإنّي مقتول من يومي هذا، لا يشتدّ جزعُكِ عليّ سلّمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني عن عمالي فريضته بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضى ربّي ... اللهم! إني لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي، أنت أعلم بي، ولكنّي أقوله تعزية لأمّي لتسلو به عني) ...

قالت أمه أسماء: (إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبَقْتَني الى الله أو سَبقْتُك، اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر، وبِرّه بأبيه وبي، اللهم إني أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثِبْني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين)

ثم تعانقا عناق الوداع، وتقدم ابن الزبير وجاهد حتى الرمق الأخير، بعد ان تلقى الضربة القاضية من جند الحجاج، ذلك الذي لم يشفى غليله بعد فأراد للجثة الطاهرة أن تصلب حتى تأكل الطير منها، وتسكن النار المتقدة في صدره المليء حقدًا وكراهية، وانطلقت الأم لترى وليدها المصلوب، وبكل ثقة وقوة وقفت تنظر إليه، ثم اقترب منها اللئيم مناديًا: (يا أماه إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا، فهل لك من حاجة؟) ... فصاحت به قائلة: (لست لك بأم، إنما أنا أمُّ هذا المصلوب على الثّنِيّة، وما بي إليكم حاجة، ولكني أحدّثك حديثا سمعته من رسول الله -?- قال:(يخرج من ثقيف كذّاب ومُبير) ... فأما الكذّاب فقد رأيناه، وأما المُبير فلا أراه إلا أنت) ...

ثم يأتيها عبد الله بن عمر معزيًا في فقيد الامة، فأجابته قائلة: (وماذا يمنعني من الصبر، وقد أُهْدِيَ رأس يحيى بن زكريا إلى بَغيٍّ من بغايا بني إسرائيل) ...

وهل رأس عبد الله أكرم من رأس يحي نبي الله.

تلك الكريمة ذات النطاقين، العاقلة من بيت الجهاد والصبر على البلاء، آل أبي بكر جمعنا الله بهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت