أحب عبد الله النبي ?، وخالط دم النبي دمه، فلم يتردد في ان يعتاض به عن الماء ليرتوي به فقد روي في كتب السير أنه أتى النبي وهو يحتجم فلمّا فرغ قال: (يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهْرقْهُ حيثُ لا يراكَ أحد) ... فلمّا برز عن رسول الله -?- عمَدَ إلى الدم فشربه، فلمّا رجع قال: (يا عبد الله، ما صنعت؟) ... قال: (جعلته في أخفى مكان علمت أنه بخافٍ عن الناس!) ... قال: (لعلّك شربته) ...
قال: نعم، قال: (ولم شربت الدم، ويل لك من الناس، وويل للناس منك) ، لا تمسك النار إلا قسم اليمين، وهو قوله تعالى: {وإن مِنكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كانَ على ربِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} ... سورة المريم آية (71) ...
فكانوا يروون أن القوة التي به من ذلك الدم ..
كان عبد الله عالمًا مجتهدًا، وناسكًا متعبدًا، لا يجاريه أحد في شجاعته وبلاغته وعبادته، إذا نظر إليه أحد في أمر دنياه ظن أنه لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظر إليه في أمر آخرته قيل هذا لم يرد الدنيا طرفة عين، إذا دخل في الصلاة نسي الدنيا ونسي نفسه التي بين جنبيه كأنه عود من الخشوع ولم ير مصليًا قط أحسن صلاة منه، ثم إذا ركع وسجد تقف العصافير فوقه من شدة سكونه كأنه الجدار، كان قارئًا لكتاب الله، صائما، قوامًا، قانتًا لله شديد الخوف منه، تارة يحي ليله قائمًا وتارة يحيه راكعًا وتارة ساجدًا
بويع عبد الله بالخلافة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وبسط دولته لتشمل الحجاز واليمن، والبصرة والكوفة وخرسان والشام
وكانت مكة عاصمة خلافته، وبقي كذلك حتى جاء عهد (عبد الملك بن مروان) ، حيث ولى (الحجاج بن يوسف الثقفي) ، أمر عبد الله بن الزبير وبعث به على رأس جيش إلى مكة ليحاصرها، ذلكم هو (الحجاج الثقفي) الذي قال عنه الإمام العادل عمر بن عبد العزيز: (لو جاءت كل أمَّة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجّاج وحده، لرجحناهم جميعا) ...
منع الحجاج الناس حوائجهم وقطع عنهم الامدادات والغذاء والماء، حتى استسلم جل أنصار عبد الله، وبقي هو يناضل ويحارب من أجل مبادئه وأهدافه.
ثم أدرك البطل ان الزرع قد حان حصاده، وأن رأسه قد بات مطلوبًا، فدار بينه وبين العظيمة ذلك الحوار البطولي الهادئ
فقال لها: (يا أمّه، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبقَ معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟) ...