ورغم ذلك تجد من الآباء والأمهات من يلبس وليده وثمرة فؤاده ثوب الجهل، إما بمنعه من مواصلة تعليمه وإكماله واكتفائه بما حصل عليه، أو بتحطيمه داخليًا وطمس إبداعه بكلمات ساخنة لاذعة، فيظن حينها أن لا فائدة من المواصلة، وأنه لن يكون شيئًا مذكورا كما كان يطمح ويود.
لذا غدا كل إنسان في أقطار العربية المعمورة يحتاج بحق إلى جهاد وإلى أن يترك فراشه الوثير ويتهيأ لسفر طويل مليء بالمشقة والمعاناة لينجز ويبتكر ويعيد الأمجاد الضائعة.
بحثت في الموضوع طويلًا وهداني الله إلى ما ستقرؤونه بين أيديكم من سير علماء وخطباء، وكتاب ومخترعون، كانت الأم بطرق شتى وأساليب عدة هي الدافع والرائد في نهضتهم بعد الله سبحانه وتعالى.
بكلماتها الحانية وتشجيعها ووقوفها إلى جانبه والدفاع عنه وقت الأزمات كما هي حال هند بنت عتبة، وأسماء بنت أبي بكر، وبإنفاقها عليه وتحملها مشاق الحياة والعمل لتوفير المال له كما كانت والدة سفيان الثوري والشافعي، أو بتثقيفه بالكتب وقراءتها له وشراءها ودفعه إلى المعلمين وتوصيتهم عليه كما فعلت والدة أديسون
لم يعد بعد ذلك من حجة تحتج بها الأمهات، وليس الأب هو الركيزة الأساسية التي إذا فقدت فقد كل شيء ....
لا يخفى على الكثيرين دوره المهم في الحياة، وكونه السند والمعيل والحامي، ولكن العيش في ظروف الجهل والفقر والحرمان من العلم بحجة غيابه لم يعد عذرًا مقبولًا إلا في ظروف القهر ...
أنت من حزت حق الصحبة قبل الأب وذكر حقك ثلاثًا بينما لم ينل هو إلا واحدة.
حملت في بطنك حملًا أثقلك تسعة أشهر وكان وضعك له أشبه بانتظار الموت، ثم أفرغت له من حليب صدرك ما يتقوى به ويشتد، وسهرت الليالي تتمنين النوم والراحة والهدوء، تربين وتعلمين وتسلكين السبل في سبيل راحته.
يغيب عن عينيك فيغيب معه قلبك ولا يعود إلا حين عودته ..
أنت نصف المجتمع وأنجبت النصف الآخر، فكنت أمة بأكملها.
فهلا أكملت مشوار الأمومة الراقي، وتنبهت إلى عظمة الأمانة التي بين يديك والتي استرعاك الله إياها.