تهفو إليه القلوب وتتسارع الخطا وتتلظى الأقدام من شدة القيظ وحرارة الصحراء لتنهل من علمه ودقة فهمه وصواب حكمته .. لكأن الأرض حينها قد مالت في الجهة التي وجد فيها لشدة ثقل القابعين فوقها هناك، أو لنقل كأن البشر قد رجحوا في إحدى كفتيها، وهي الكفة التي تمركز فيها!
يقول بن رهاويه: جلسنا في مجلس الشافعي دون أن يدري، فتكلم في الفقه، فقال ما لم أسمعه من قبل، فقلت هذا أعلم الناس في الفقه، فتكلم في الحديث، فقلت هذا أعلم الناس في الحديث، فتكلم في التفسير، فقلت هذا أعلم الناس في التفسير، فتكلم في الشعر فقلت هذا أعلم الناس في الشعر، فتكلم في اللغة العربية، فقلت هذا أعلم الناس في اللغة، فتكلم في الرياضة فنظرت إلى أحمد بن حنبل وقلت له: من هذا؟ .. ما ظننت أن الله خلق مثل هذا، والله لم تر عيناي مثله
ككل البشر عانى الشافعي في لحظات حرجة من حياته، وفي كل لحظة معاناة كانت خلفه العظيمة يلتفت إلى الخلف فتمسك بكلتا يديها قابضة على الرأس توجهه إلى الأمام، يخفض نظراته للأسفل حين تقفل في وجهه الأمور فتعيد لنظرته إشراقتها وتفيض عليه من كلماتها مايرفع مؤشر التفاؤل والأمل في داخله. يرى الظلام فيضيء ثغر امه الباسم له الحياة
ولد الشافعي في غزة في نفس السنة التي توفي فيها العلامة المجتهد الإمام أبي حنيفة، وعاش فيها سنتين حتى توفي والده وتركه مع أمه التي رفضت الزواج بعد أبيه قائلة:"يا بني مات أبوك وإننا فقراء وليس لنا مال وإني لن أتزوج من أجلك وقد نذرتك للعلم، لعل الله أن يجمع بك شمل هذه الأمة"
مافتئت تلك العظيمة تدفع بابنها دفعًا منذ نعومة أظافره، لم يكن لديها مال لترسله إلى الكتاب، لكن ثقتها بالله كانت قوية وحسن ظنها بالله الذي أفاض عليها من لطفه وكرمه كان ديدنها
أرسلته إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة ويحفظ القران والتجويد .. لكن المعلم هناك لم يكن ليأبه به فلا مال عنده كالبقية، ولم يكن في مقدوره دفع مال ثمن تعليمه، فيعود لأمه حزينًا يجهش بالبكاء، رافضًا العودة إلى ذلك المكان فترشده بذكائها الذي ورثه عنها إلى خطة تنجز له ما يريد، دون أن يدفع ثمن وينال من العلم والاهتمام كالذي يناله أصحاب المال فتقول: يا بني: تحايل على المعلم؟، فيجيب: كيف؟ فتقول: إذا وجدت المعلم يعلم أبناء الأغنياء فاجلس بجوار الغني واستمع دون أن تشعر المعلم بأنك تضيق عليه ...
ففعلها الشافعي مرات ومرات، يدخل بأدب فلا يشعر به المعلم، ويستمع حتى يتعلم جميع ما يقوله معلمه ويجيده، ثم إذا قام المعلم يجلس الشافعي مكانه ويشرح للطلاب، ثم يأتي إليه