و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُقَاتِلَ) من المقاتلة على وزن مفاعلة، و المفاعلة لا بد أن تكون بين اثْنَيْنِ، و المقاتلة و القتال هي المحاربة بَين اثْنَيْنِ فَإِذا قلتَ: قَاتل فلانٌ فلَانا فَإِنَّهُ لَا يكون إلاّ بَين اثْنَيْنِ [1] .
و هناك فرق شاسع بين المقاتلة و القتل، و القَتْلُ معروف، يقال: قَتَلَه إذا أماته بضرب أو جرح أو علة [2] ، و قَالَ اللَّيْث: «الْقَتْل مَعْرُوف، يُقَال: قتَله: إِذا أَمَاتَهُ بضربٍ أَو حجر أَو سمّ أَو علّة» [3] .
وَ قَاتَلَ: لَا تَدُّلُ عَلَى الْقَتْلِ بل تدل على مقاتلة أو حرب بين اثنين، و لَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ وُجُودُ الْقَتْلِ فقَدْ تَكُونُ مُقَاتَلَةً وَ لَا يَقَعُ قَتْلٌ إذ الْقِتَالُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَ لَيْسَ الْقَتْلُ إِلَّا بَعْضَ أَحْوَالِ الْقِتَالِ.
قال بدر العيني: «لَا يلْزم من إِبَاحَة الْقِتَال إِبَاحَة الْقَتْل؛ لِأَن بَاب المفاعلة يسْتَلْزم وُقُوع الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِك الْقَتْل فَافْهَم» [4] .
قال ابن دقيق العيد: «فَرَّقَ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ فَإِنَّ"الْمُقَاتِلَةَ"مُفَاعِلَةٌ، تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَةِ الْمُقَاتِلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا قُوتِلَ عَلَيْهَا إبَاحَةُ الْقَتْلِ عَلَيْهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عَنْ فِعْلِهَا إذَا لَمْ يُقَاتِلْ» [5] .
قال ابن عثيمين: «وقوله: أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ هذا المأمور به، و المقاتلة غير القتل فالمقاتلة: أن يسعى في جهاد الأعداء حتى تكون كلمة الله هي العليا، و القتل: أن يقتل شخصًا بعينه، و لهذا نقول: ليس كل ما جازت المقاتلة جاز القتل، فالقتل أضيق، و لا يجوز إلا بشروط معروفة، و المقاتلة أوسع» [6] .
(1) - تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي 9/ 62، و انظر تاج العروس 30/ 234
(2) - العين للخليل الفراهيدي 5/ 127
(3) - تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي 9/ 62
(4) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 1/ 181
(5) - إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 219
(6) - شرح الأربعين النووية ص 126