فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 53

و قَوْلُ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ) بصيغة المجهول أي أبهم الفاعل أي لم يذكر الفاعل، و لا يمكن أن يؤمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قبل أحد إلا من الله لذلك الآمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -هو الله - سبحانه و تعالى - و أبهمه للعلم به فمعنى: (أُمِرْتُ) أَيْ أَمَرَنِي اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَّا اللَّهُ [1] ،و هذا يفيد جواز إبهام المعلوم إذا كان المخاطب يعلمه.

و قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أُمِرْتُ) يدل أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبد مأمور يوجه إليه الأمر كما يوجّه إلى غيره.

علمنا أن الآمر للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الله، و لابد أن نشير إلى مسألة مهمة اختلف فيها أهل العلم ألا وهي إذا قال الصحابي أمرنا فمن هو الآمر، والراجح من كلام أهل العلم أن قول الصحابي:"أُمرنا بكذا"، أو"نُهينا عن كذا"، أو"أوجب علينا كذا"، أو"حرم علينا كذا"، أو"أبيح لنا كذا"، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء [2] .

قال الآمدي: «إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِيْنَا عَنْ كَذَا، وَأُوْجِبَ عَلَيْنَا كَذَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا، أَوْ أُبِيحَ لَنَا كَذَا، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ» [3] .

قال بدر العيني: «قوْله: (أمرت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، يدل على أَن الله - تَعَالَى - أمره، وَإِذا قَالَ الصَّحَابِيّ ذَلِك فهم أَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- أمره» [4] .

(1) - فتح الباري لابن حجر 1/ 76

(2) - الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة ص 121

(3) - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/ 97

(4) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/ 215

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت