و قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ) من الأمر.
و الأمرُ طلب الفعل على وجه الاستعلاء و الحتم و الإلزام، أي أن الآمر أو طالب الفعل مترفع على المأمور أي في منزلة فوق منزلة المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، و أمر السيد لعبيده، و أمر الأب لأولاده، و أمر السلطان لرعيته، و على وجه الاستعلاء أخرج طلب الفعل على جهة الدعاء و السؤال و الالتماس فَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْعَاءُ مِنَ الْمُسَاوِي سُمِّيَ الْتِمَاسًا , أَوْ مِنَ الْأَعْلَى سُمِّيَ سُؤَالًا [1] .
وإذا ورد لفظ الأمر متعريًا عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به [2] أي حكم الْأَمر الْمُطلق الْوُجُوب واللزوم [3] فالأمر يفيد الوجوب ما لم يأت صارف [4] ، و دليل أن الأمر يفيد الوجوب أنه لو لم يكن الأمر للوجوب ما عاقب الله إبليس على امتناعه عن السجود في قول الله - سبحانه و تعالى: {و َإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا} (سورة البقرة من الآية 34) ، وقد حذر من يخالف أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك واجب؛ فدل على أن أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور به في قول الله - سبحانه و تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النور من الآية 63)
(1) - انظر شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي ص 103،و أصُولُ الِفقهِ الذي لا يَسَعُ الفَقِيهِ جَهلَهُ لعياض بن نامي بن عوض السلمي ص 216،و الأصول من علم الأصول ص 23،و علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 195،و قواعد الفقه للبركتي ص 191،و الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة 3/ 1311
(2) - العدة في أصول الفقه لأبي يعلى بن الفراء ص 224
(3) - أصول السرخسي 2/ 334
(4) - انظر إرشاد الفحول للشوكاني 1/ 250، قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني 1/ 81،و من أصول الفقه على منهج أهل الحديث لزكريا الباكستاني ص 108،و و الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ لعبد الكريم بن علي بن محمد النملة 3/ 1336