قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)
قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أي فيما يسرونه ويخفونه فأوكل سرائرهم إلى الله، و التقدير: إذا قالوا الشهادتين نفاقًا يتعوذون بها من القتل فحسابهم على الله - سبحانه و تعالى - فيما يسرونه ويخفونه في نطقهم بالشهادتين، أكانت عن يقين واعتقاد واستسلام، أم عن نفاق.
و علينا ألا نتسرع في الحكم بالكفر على مسلم فلنا الظاهر و الله يتولى السرائر، ولا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، هذا كافر فأحكام الدنيا تجري على الظواهر و حرمة الإسلام لا تثبت إلا بأمور ظاهرة غير خفية، و الأحكام تناط بالمظان والظواهر، لا على القطع و اطلاع السرائر.
وقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلم المنافقين في زمانه بأسمائهم وأعيانهم و ذواتهم، و لم يقتلهم وهم أكفر الخلق؛ حتى لا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، و كون النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل من المنافقين ظواهرهم، و لا يؤاخذهم في الأحكام الدنيوية بما استقر في قلوبهم من تكذيب وريب، كي يشرع للناس أن العبرة بالظاهر الواضح لا الباطن المستتر، وولي أمر المسلمين له ظواهر أحوال الناس، ولا يحق لأحد أن ينقب ليكشف عما يبطنون أو يخفون.
و هنا حكمة أخرى أن استتار المنافق فيه تقليل لسواد الكفر، و هذا أولى من إظهار النفاق و تكثيره و إن كان كلاهما شر، و ذاك المنافق قد يختلط بالمسلمين، و يسمع خطبة من خطب الجمعة أو مجلس وعظي فيتأثر فيرق قلبه فيسلم.
و عدم إظهار النفاق - و إن كان النفاق لا يجوز - علامة على قوة الإسلام أي التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة و عدم مخالفتها علامة على قوة الإسلام لخوفهم من سطوة الإسلام والمسلمين عليهم لو أظهروا كفرهم ونفاقهم، ولذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - و أصحابه التزم المنافقين بأحكام الإسلام ما لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم؛ لأن قوة الإسلام عند النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة أقوى منها فيمن بعدهم.
وإذا قوي المسلمون التزم المنافقون بأحكام الإسلام في الظاهر، وإذا ضعف المسلمون ضعف التزام المنافقين بأحكام الإسلام، وصاروا يظهرون حقيقتهم، فالمنافقون يتحينون الفرص؛