ليظهروا ما يخفون من الكفر والنفاق. فإن كان الإسلام قويًا، و كان المسلمون أقوياء يقيمون الحدود، فحينئذ يلتزم المنافقون بأحكام الإسلام؛ خوفًا من أن تقطع رقابهم، وأن تؤخذ أموالهم ..
و المنافقون مسلمون في الظاهر، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا سبيل لأحد عليهم حتى وإن عرف نفاقهم، ما لم يتحيزوا ويتميزوا وتعظم فتنتهم ويطر شررهم وشرهم، ويحاربوا الإسلام؛ فحينئذ يجب على الإمام أن يحاربهم.
قال ابن تيمية: «وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الظَّاهِرِ يَجْرِي عَلَى الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ اسْتَسْلَمُوا ظَاهِرًا؛ وَأَتْوَا بِمَا أَتَوْا بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ بِالصَّلَاةِ الظَّاهِرَةِ وَالزَّكَاةِ الظَّاهِرَةِ وَالْحَجِّ الظَّاهِرِ وَالْجِهَادِ الظَّاهِرِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ» [1] .
و قال ابن حجر: «قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ بِالْوَحْيِ عَلَى كُلِّ حُكُومَةٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُشَرِّعًا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا شَرَعَ لِلْمُكَلَّفِينَ وَيَعْتَمِدُهُ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ» [2] .
قال بدر العيني: «قَوْله: (وحسابه على الله) ، أَي: فِيمَا يسر بِهِ من الْكفْر والمعاصي، وَ الْمعْنَى: إِنَّا نحكم عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، ونؤاخذه بحقوقه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر حَاله، وَالله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يتَوَلَّى حسابه فيثيب المخلص و يعاقب الْمُنَافِق» [3] .
قال ابن حجر: «قَوْلُهُ: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ فِي أَمْرِ سَرَائِرِهِمْ وَلَفْظَةُ عَلَى مُشْعِرَةٌ بِالْإِيجَابِ وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ أَيْ هُوَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّهِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُكْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَالِاكْتِفَاءُ فِي قَبُولِ الْإِيمَانِ بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ تَعَلُّمَ الْأَدِلَّةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلشَّرَائِعِ» [4]
(1) - مجموع الفتاوى 7/ 351
(2) - فتح الباري 13/ 174
(3) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري 14/ 75
(4) - فتح الباري 1/ 77