وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وأن محمدًا رسول الله) و لم يقل: (وأني رسول الله) كأنه يتجرد من نفسه، و من شخصه لإبعاد حظ نفسه من ذلك؛ تواضعا منه و أنه عبد مثل باقي الناس، و يتساوى معهم في العبودية، و إن كان أعلى منهم مقاما، و لتفريق بين محمد - صلى الله عليه وسلم - كرسول، و محمد - صلى الله عليه وسلم - كعبد من عبد الله، و كأنه يعلن عن إيمانه برسالته و بوحي الله الذي أنزل عليه.
و عندما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع يد امرأة مخزومية سرقت، وتشفع لها أسامة حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن حبه تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ العَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا [1] .
و قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ) ، و لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - (لو أن فاطمة بنتي) لبيان المساواة بين الناس ووجوب العقاب على جميع من يخطئ فلا فرق بين ابن غني و ابن فقير، و لا فرق بين أبيض و أسود، و لا فرق بين قريب و بعيد، و أنه يجب علينا إتباع حكم الله حتى و لو على أحب الناس إلينا، و أن الحق يطبق على الجميع و الناس سواسية، و هذا من تمام العدل و المساواة بين الناس.
و بخصوص هل يشترط التلفظ بلفظ أشهد لقبول الشهادة أم لا؟ قال ابن القيم: «فَمَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَأَخْبَرَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} (الأنعام الآية 150) وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُون َ} (الزخرف الآية 19) .
(1) - رواه البخاري في صحيحه 5/ 151 حديث رقم 4304،و رواه مسلم في صحيحه 3/ 1315 حديث رقم 1688