فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 53

قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فيه رد على أهل الكلام القائلين أن أول واجب على المكلف هو النظر و الاستدلال

قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فيه أن توحيد العبادة أول دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، و السلف كلهم متفقون على أن أول ما يجب على الإنسان لدخوله الإسلام الشهادتان، وأن التوحيد أول الأمر، و ليس النظر و الاستدلال كما يقول أهل الكلام فقولهم باطل يخالف الشرع، و يخالف هذا الحديث.

قال ابن قدامة في بيان خطأ ما قاله أهل الكلام و ما يحمله من مصادمة للنصوص الشرعية: «فِيهِ تخطئة رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر أحدا من أمته بِعلم الْكَلَام وَالنَّظَر فِي أَدِلَّة الْعُقُول ليعرف بِهِ صِحَة معتقده بل قنع مِنْهُم بِمُجَرَّد الْإِسْلَام.

وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله عز وَجل) أفترى بِكَوْن النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- مخطئا فِي قبُول ذَلِك مِنْهُم وقناعته بِمُجَرَّد إسْلَامهمْ من أَن يتعلموا علم الْكَلَام وينظروا فِي الْعرض والجوهر والجسم وَيكون المتكلمون هم المصيبون فِي خطأ من لم يتَعَلَّم ذَلِك وَلم ينظر فِيهِ فَإِن كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلْيَدعُوا لأَنْفُسِهِمْ شَرِيعَة ودينا غير دين الْإِسْلَام ويدعوا دين مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم-» [1] .

قال القرطبي: «فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لَجَازَ لِلْكُفَّارِ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلُنَا، لِأَنَّ مِنْ دِينِكُمْ أَنَّ الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فَأَخِّرُونَا حَتَّى نَنْظُرَ وَنَسْتَدِلَّ» [2] .

و معرفة الله أو الاستدلال على معرفته ليس كافيًا لاعتبار الإِنسان مسلمًا؛ لأن فرعون كان عارفًا بربه، و أكثر مشركي العرب كانوا يعرفون أن الله هو خالق الكون وأنه رب السماوات والأرض ومع ذلك لم تغن عنهم معرفتهم تلك شيئًا.

(1) - تحريم النظر في كتب الكلام ص 48

(2) - تفسير القرطبي 7/ 331

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت