الصفحة 364 من 376

بأن للثيموس المقام الأعلى، أي للرغبة في نيل الاعتراف التي تمثل أعمق وأهم التطلعات البشرية. ومن المحتمل أن يكون هيجل وكوجيف، وهما في معرض الإشارة إلى الأهمية الميتافيزيقية والنفسية للاعتراف، قد فاقا غيرهما من الفلاسفة في عبرهما لأغوار النفس البشرية، حيث إن أمثال لوك وماركس كانا يؤمنان بتفوق أهمية الرغبة والعقل. ورغم زعم كوجيف أنه لا يملك معيارا يشمل التاريخ كله ليقيس به مدى كفاءة المؤسسات البشرية، فإن الرغبة في نيل الاعتراف هي في حقيقة الأمر هذا المعيار المطلوب. فالثيموس هي عند كوجيف الجانب الخالد من الطبيعة الإنسانية. وقد يكون الصراع من أجل الاعتراف الناجم عن الثيموس قد تطلب مسيرة تاريخية العشرة الاف سنة أو يزيد، غير أن أهميته عند كوجيف باعتباره جانيأ جوهرية وأساسية من جوانب الروح لا تقل عن أهميته عند أفلاطون.

وعلى ذلك فإن زعم كوجيف بأننا قد وصلنا إلى نهاية التاريخ تتضح صحنه أو بطلانه على ضوء صحة أو بطلان الزعم بأن الاعتراف الذي توفره الدولة الديموقراطية الليبرالية المعاصرة يحقق إشباعا مناسبا لرغبة الإنسان في نيل الاعتراف. وقد ذهب كوجيف إلى أن الديموقراطية الليبرالية الحديثة نجحت في التوفيق بين أخلاقيات السيد وأخلاقيات العبد، وأزالت الفوارق بينهما رغم إبقائها على بعض ملامح هاتين الصورتين من صور الحياة. فهل هذا صحيح حقا؟ هل تمكنت المؤسسات السياسية الحديثة من التسامي بالميجالوثيميا عند السادة وتوجيهها في قنوات أخرى بحيث لم تعد تمثل مشكلة للسياسة المعاصرة؟ هل سيظل الإنسان دائمة راضية بالاعتراف به باعتباره مساويا لكافة البشر الآخرين، أم أنه سيطالب مع الوقت بالمزيد؟ وإن كانت الميجالوثيميا حقا قد تسامت بها السياسة الحديثة ووجهتها في قنوات أخرى، فهل توافق نيتشه على أن هذا ليس من دواعي البهجة، بل كارثة لا مثيل لها؟

إنها اعتبارات بعيدة الأمد سنعود إلى الحديث عنها في الجزء الخامس من هذا الكتاب.

غير أن في نيتنا الآن أن نلقي نظرة أعمق على التحول الفعلي في الوعي أثناء اقترابه من الديموقراطية الليبرالية، فالرغبة في نيل الاعتراف قد تتخذ عدة صور غير عقلانية قبل أن تتحول إلى اعتراف عام على أساس المساواة، كتلك التي تمثلها تعاليم الدين ومقتضيات الشعور الوطني. والانتقال لا يتم أبدأ في سهولة ويسر، في حين يتضح لنا أن الاعتراف العقلاني يتعايش دائما مع صور غير عقلانية في معظم المجتمعات القائمة. والأكثر من ذلك أن بزوغ و استمرار المجتمع المجد للاعتراف العقلاني، يستلزم فيما يبدو بقاء أشكال معينة من الاعتراف غير العقلاني، وهذه مفارقة لا يتصدى لها كوجيف في كفاءة.

يقول هيجل في مقدمة كتابه و فلسفة الحق، إن الفلسفة هي و زمانها كما يدركه الفكر،، وأنه ليس بوسع الفيلسوف أن يتجاوز عصره ويتنبأ بالمستقبل، تماما مثلما أنه ليس بوسع إنسان أن يقفز فوق التمثال العملاق الذي كان قائما في الماضي في جزيرة رودس. غير أننا بالرغم من هذا التحذير سنتطلع إلى الأمام محاولين فهم مستقبل وحدود الثورة الليبرالية العالمية الراهنة، وما ستحدثه من أثر في العلاقات الدولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت