فلنعد إلى البداية ونتصدى للسؤال دون أحتكام إلى سلطان النظريات السابقة عن التاريخ: هل التاريخ غائي؟ وهل ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه سيحدث تطور عالمي صوب الديموقراطية الليبرالية؟
البحث أولا في مسألة الغائية، تاركين مؤقتا مسألة ما إذا كانت هذه الغائية تعني التقدم سواء بصدد الأخلاقيات أو السعادة الإنسانية. هل تتطور كل المجتمعات أو معظمها في اتجاه واحد معين، أم أن تاريخها ينهج نهجا دوريا أو عفويا محضا به (1) إن كان النهج عفويا، فبالإمكان أن تكرر البشرية أية ممارسة اجتماعية أو سياسية من ممارسات الماضي: قد يعود نظام الرق، وقد يتوج الأمراء والأباطرة في أوروبا، وقد تفقد النساء الأمريكيات حق الانتخاب. أما التاريخ الغائي فعلى العكس من ذلك، إذ أنه يعني أنه ليس بوسع أي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي يتجاوزه مجتمع ما، أن يتكرر في نفس المجتمع (رغم أن المجتمعات المختلفة في المراحل المختلفة من تطورها قد تكرر نمطأ مشابها من التطور) .
فإن كان التاريخ لا يعيد نفسه أبدا، فلا بد أن هناك آلية دائمة وواحدة، أو مجموعة من الأسباب الأولى التاريخية التي تفرض التطور في اتجاه واحد، والتي تحفظ ذكريات العصور السابقة حتى الزمن الحاضر. والنظريات الخاصة بدورات التاريخ أو عفوية أحداثه لا تستبعد احتمال التغير الاجتماعي وقدرة محدودة من مظاهر الانتظام في عملية التطور، غير أنها ليست في حاجة إلى أي مصدر واحد للسببية التاريخية. كذلك فإن عليها أن تنص أيضا على مسار للتحلل ينمحي بمقتضاه تمامأ الوعي بانجازات الماضي. ذلك لأنه بدون احتمال النسيان الكامل للتاريخ، ستبني كل دورة على أساس من خبرات الدورات السابقة ولو بقدر بسيط.
وفي محاولة أولى لفهم الآلية التي تضفي على التاريخ غائيته، لنفعل ما فعله فونتنيل وبيكون، وتعتبر المعرفة مفتاحا لغائية التاريخ، خاصة معارفنا عن الكون الطبيعي التي يمكن للعلم توفيرها لنا. ذلك أننا لو نظرنا إلى كافة صنوف الجهد الاجتماعي البشري، لوجدنا أن المجال الوحيد الذي يجمع الناس على أنه بكل تأكيد غائي وتراكم المعرفة، هو العلوم الطبيعية الحديثة، وهو وصف لا ينطبق على نشاطات مثل فنون الرسم والشعر والموسيقى والمعمار. ذلك أنه لا يمكن القول