الصفحة 178 من 376

ولم تكن بلادنا سعيدة الحظ. فقد تقرر تجرية الماركسية فينا، ودفعنا القدر في هذا الاتجاه. فبدلا من اختيار بلد ما في إفريقيا لهذا، شرعوا في إجراء هذه التجربة فينا نحن. غير أننا في النهاية أثبتنا أنه لا مكان لهذه الفكرة. فقد دفعت بنا بعيدة عن الطريق الذي انتهجته دول العالم المتحضرة، وهو ما تعكسه حقيقة أن أربعين في المائة من أفراد الشعب يعيشون دون حد الفقر، بل ويعانون مذلة دائمة إذ لا يتلقون السلع إلا بعد إبرازهم بطاقات التموين. إنها مظلة دائمة، تنكرك في كل ساعة بأنك عبد في هذه الدولة ..

من خطبة لبوريس يلتسين في اجتماع لحزب د روسيا الديموقراطية، في موسكو، في أول يونيو عام 1991

كل ما شرحناه حتى الآن هو أن الازدهار الدائب للعلوم الطبيعية الحديثة يسفر عن تاريخ غائي وتحولات اجتماعية متجانسة الطابع في مختلف الأمم والحضارات. فالتكنولوجيا والتنظيم الرشيد للعمل هما من الشروط اللازمة للتصنيع. وهو ما ينجم عنه بالتالي ظواهر اجتماعية مثل التوسع في سكني المدن، وفي البيروقراطية، وتفكك الأسر الكبيرة والعلاقات القبلية، والارتفاع بمستوى التعليم، كذلك أوضحنا كيف أن هيمنة العلوم الطبيعية الحديثة على الحياة البشرية، لا يمكن التراجع بشأنها في ظل أية ظروف بالوسع تصورها، حتى في أشدها تطرفا. غير أننا لم نوضح

حتى الآن كيف أن العلم يؤدي بالضرورة إلى الرأسمالية في المجال الاقتصادي، أو إلى الديموقراطية الليبرالية في المجال السياسي.

والواقع أن ثمة أمثلة لدول مرت بالمراحل الأولى من التصنيع، تعد دوة متقدمة أقتصاديا وحضرية، و علمانية، وبناء الدولة فيها متين متجانس، وشعبها جيد التعليم نسبيا، غير أنها لا هي بالرأسمالية ولا بالديموقراطية، والمثل الرئيسي هنا، ولسنوات عديدة، هو الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين، وهو الذي تمكن في السنوات ما بين 1928 وأواخر الثلاثينيات من تحقيق تحول اجتماعي مذهل من دولة زراعية معظم سكانها فلاحون، إلى دولة صناعية قوية، دون أن يتيح للمواطنين حريات اقتصادية أو سياسية. والواقع أن السرعة التي تم بها هذا التحول بدا للكثيرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت