الصفحة 246 من 376

بات واضحا الآن أن الآلية التي بسطنا قواعدها هي في جوهرها تفسير اقتصادي للتاريخ. والواقع أن، منطق العلوم الطبيعية الحديثة و لا يملك قوة في حد ذاته مستقلة عن البشر الذين يريدون استخدام العلوم لتذليل الطبيعة من أجل إشباع احتياجاتهم، أو تأمين أنفسهم من أخطارها. أما العلوم في حد ذاتها (سواء في صورة الإنتاج الآلي، أو التنظيم المنطقى للعمالة) فلا تخلق غير الإمكانات التكنولوجية التي تحددها القوانين الأساسية للطبيعة، فالرغبة الإنسانية هي التي تدفع البشر إلى استغلال هذه الإمكانات. ولا نعني بهذه الرغبة، الرغبة في إشباع مجموعة محدودة من الاحتياجات و الطبيعية، وإنما نعني بها تلك الرغبة شديدة المرونة ذات الاحتمالات المتزايدة دوما.

وبعبارة أخرى فإن هذه الآلية هي ضرب من التفسير الماركسي للتاريخ يؤدي في النهاية إلى نتيجة غير ماركسية. فرغبة الإنسان في الانتاج والاستهلاك هي التي تدفعه إلى الهجرة من الريف إلى المدينة، وإلى العمل في المصانع الكبيرة أو الإدارات البيروقراطية الكبيرة دون العمل في الريف، وإلى أن يبيع طاقاته لمن يعرض الأجر الأعلى دون الاستمرار في صنعة أبائه، وإلى نيل حظ من التعليم والإذعان لمواعيد العمل.

غير أن نمط المجتمع الذي يسمح للناس بإنتاج و استهلاك أكبر قدر من السلع على أساس من المساواة الكاملة، ليس بالنمط الشيوعي كما قال ماركس، وإنما هو النمط الرأسمالي. وقد وصف ماركس في المجلد الثالث من و رأس المال و ملكوت الحرية الذي سيظهر في ظل الشيوعية قائلا:

ولا يبدأ ملكوت الحرية في الظهور إلا باختفاء العمل الذي تمليه الضرورة والاعتبارات الدنيوية. فهو إذن، وبطبيعة الأشياء، خارج نطاق الانتاج المادي الفعلي. وكما أنه على الهمجي أن يغالب الطبيعة من أجل إشباع احتياجاته والبقاء على قيد الحياة والتناسل، فكذا على الإنسان المتحضر أن يفعل كل هذا في كافة التشكيلات الاجتماعية وفي ظل كل صور الانتاج الممكنة. وبتطور الإنسان يتسع مجال الضرورة المائية نتيجة احتياجاته. غير أن قوى الإنتاج التي تشبع هذه الاحتياجات تتزايد هي الأخرى وفي نفس الوقت، ولا يمكن للحرية في هذا المجال إلا أن تقوم على التفاعل مع الطبيعة، بحيث يتحكم الإنسان فيها بدلا من أن يذعن لها إذعائه لقوى الطبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت