وجود الدولة هو سبيل الله في الأرض ..
ج. ف. ف. هيجل، فلسفة الحق (1) .
كانت الثورة الفرنسية في رأي هيجل هي الحدث الذي تبنى الرؤية المسيحية عن مجتمع الحرية والمساواة، وحققه هنا على الأرض. وقد خاطر العبيد السابقون بحياتهم بقيامهم بهذه الثورة، فأثبتوا بذلك أنهم تغلبوا على خوفهم من الموت الذي جعلهم في الماضي عبيدا. ثم انتقلت مباديء الحرية والمساواة إلى سائر الدول الأوروبية مع زحف جيوش نابليون الظافرة. وكانت الدولة الديموقراطية الليبرالية الحديثة التي نشأت في أعقاب الثورة الفرنسية مجرد تجسيد - هنا والآن - للمثال المسيحي عن الحرية والمساواة العامة بين البشر. ولا يعني هذا أنها كانت محاولة لتأليه الدولة أو إضفاء طابع ميتافيزيقي عليها لا نجده في الليبرالية الأنجلوسكسونية. وإنما كانت اعترافا بأن الإنسان هو الذي خلق الإله المسيحي، وبأن الإنسان بالتالي قادر على أن يأتي بالله إلى الأرض اليقيم في مبنى البرلمان، أو قصر الرئاسة، أو بيروقراطيات الدولة الحديثة.
ويتيح لنا هيجل فرصة إعادة تفسير الديموقراطية الليبرالية الحديثة في ضوء يختلف عن المذهب الأنجلوساكسوني في الليبرالية، النابع من كتابات هوبز ولوك. وهذا الفهم الهيجلى لليبرالية هو في آن واحد صورة أنبل لما تمثله الليبرالية، وعرض أدق لما يعنيه الناس في مختلف أنحاء العالم حين يقولون إنهم يريدون العيش في ظل الديموقراطية. فالمجتمع الليبرالي عند هوبز ولوك واتباعهما ممن وضعوا الدستور الأمريكي وكتبوا إعلان الاستقلال، هو ثمرة لعقد اجتماعي بين أفراد لهم حقوق طبيعية معينة، أهمها الحق في الحياة (أي في الحفاظ على الذات) أو حق السعي من أجل السعادة الذي فهمه الناس على أنه يعني الحق في الملكية الخاصة. فالمجتمع الليبرالي إذن هو ثمرة اتفاق متبادل تحكمه المساواة بين المواطنين على ألا يتدخل أحد في حياة الآخر
أو يعتدي على ما يملكه.: أما هيجل فإن المجتمع الليبرالي عنده هو ثمرة اتفاق بين المواطنين قائم على التبادل والمساواة
ويقضي باعتراف كل مواطن بالاخر. فإن أمكن تفسير الليبرالية عند هوبز أو لوك بأنها انتهاج سبيل الصالح الشخصي الرشيد، فإن الليبرالية الهيجلية هي السعي وراء الاعتراف الرشيد، أي