وكذا جئتكم، يا أناس اليوم، وفي مضمار التعليم .. فما الذي حدث لي؟ ضحك رغم كل ما أشعر به من قلق .. لم تر عيناي أبدا شيئا مرقعا كهذا الثوب الشبيه بثوب البهلوان. ضحكت وضحكت بينما كانت قدماي ترتجفان، وقلبي في مثل ارتجافهما. وقلت: ومن المؤكد أن هذا هو منبع الاختلاط والتخبط.
نيتشه: هكذا تكلم زرادشت , (1) .
نأتي الآن إلى أصعب شطر من حجتنا، وهو: هل تؤدي الية العلوم الطبيعية الحديثة إلى ديموقراطية ليبرالية؟ فإن كان منطق التصنيع المتقدم الذي تحدده العلوم الطبيعية الحديثة يخلق ميلا قويا إلى الرأسمالية واقتصادات السوق، فهل يخلق أيضا حكومة حرة، ومشاركة ديموقراطية؟ لقد كتب عالم الاجتماع سيمور مارتن ليبسيت في مقال له بالغ الأهمية عام 1959 موضحا وجود درجة عالية جدا من العلاقة التجريبية المتبادلة بين الديموقراطية المستقرة في جائب، ومستوى التنمية الاقتصادية في الدولة في جانب أخر، وكذا المؤثرات الخاصة بالتنمية الاقتصادية كالتوسع في المدن والتعليم وغير ذلك (2) . فهل ثمة صلة حتمية بين التصنيع المتقدم والليبرالية السياسية تبرر هذه العلاقة القوية؟ أم أنه من المحتمل أن تكون الليبرالية السياسية مجرد نتاج حضاري للحضارة الأوروبية وسلالاتها المختلفة، صادف. لأسباب مستقلة. أن أسفر عن أشهر أمثلة للتصنيع الناجح؟
سنرى أن العلاقة بين التنمية الاقتصادية والديموقراطية هي أبعد ما تكون عن المصادفة. غير أن البواعث وراء اختيار الديموقراطية ليست اقتصادية في أساسها، إذ لها مصدر آخر، وهو ما يسهله التصنيع دون أن يجعله حتما.
إن العلاقة الوثيقة القائمة بين التنمية الاقتصادية ومستوى التعليم والديموقراطية يوضحها تماما مثال أوروبا الجنوبية. ففي عام 1958 تبنت أسبانيا برنامجا للتحرر الاقتصادي أبدل لسياسات حكومة فرانكو الأخذة بمذهب التجاريين سياسات ليبرالية تربط الاقتصاد الأسباني باقتصاد العالم الخارجي. وقد نجمت عن هذا فترة من النمو الاقتصادي السريع جدا، ففي العقد السابق على