لم تبدأ الأزمة الراهنة في الأنظمة الشمولية لا، يبيريسترويكا و جورباتشوف، ولا بسقوط سور برلين. وإنما بدأت قبل ذلك بأكثر من خمسة عشر عاما بسقوط عدد من الحكومات الاستبدادية اليمينية في جنوبي أوروبا، ففي عام 1974 أطاح اتقلاب عسکري بنظام كايتانو في البرتغال. وبعد فترة من عدم الاستقرار كانت تؤدى إلى حرب أهلية، انتخب ماريو سواريش رئيسا للوزراء في ابريل 1979، وغدت البلاد منذ ذلك الحين تتمتع بحكم ديموقراطي هاديء. كذلك فإنه في عام 1974 سقط نظام الكولونيلات الذين حكموا اليونان منذ عام 1967، وحل محله نظام کارامانليس بعد انتخابات شعبية، وفي عام 1975 توفي الجنرال فرانشيسكو فرانكو ممهدا الطريق بذلك الفترة انتقالية هادئة للغاية قامت الديموقراطية بعد عامين منها، وبالاضافة الى ذلك استولي العسكريون على الحكم في تركيا في سبتمبر 1980 نتيجة للإرهاب الذي عم المجتمع، غير أنهم أعادوا البلاد إلى الحكم المدني عام 1983. ومنذ ذلك الحين وكل هذه الدول تشهد انتخابات منتظمة حرة ومتعددة الأحزاب.
وقد كان هذا التغير الذي حدث في أوروبا الجنوبية في أقل من عشرة أعوام تغيرا مثيرا. فقد كانت هذه الدول تعتبر في الماضي بمثابة الشاة السوداء في أوروبا، وكأنما كان مقضيا عليها بسبب تقاليدها الدينية والاستبدادية أن تبقى بمعزل عن التيار الرئيسى للتطور الديموقراطي في أوروبا الغربية، ومع ذلك فإنه بحلول الثمانينيات كانت كل دولة منها قد نجحت في الانتقال إلى ديموقراطية مستقرة فعالة، وبلغ الاستقرار فيها (ربما باستثناء تركيا) درجة أصبحت شعوبها معها عاجزة عن تصور احتمال أن تكون الأوضاع فيها بخلاف ما هي عليه اليوم.
وقد حدث انتقال ديموقراطي مماثل في عدد من دول أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات، وكانت البداية عام 1980 بإعادة الحكومة المنتخبة ديموقراطيا في بيرو بعد اثني عشر عاما من الحكم العسكري. وفي عام 1982 عجلت حرب الفوكلاند / مالفيناس بسقوط الحكم العسكري في الأرجنتين وقيام حكومة ألفونسين المنتخبة ديموقراطيا. وقد تبع التحول الأرجنتيني تحول سريع في دول أخرى بأمريكا اللاتينية، فسقط النظامان العسكريان في أوروجواي (عام 1983) والبرازيل (عام 1984) ، وينهاية العقد أفسحت ديكتاتورية ستروستر في باراجواي وديكتاتورية بينوشيه في شيلى الطريق أمام قيام حكومتين منتخبتين شعبيا. وفي أوائل عام 1990 سقطت