الصفحة 238 من 376

وهو سؤال كانط: هل بالوسع كتابة تاريخ العالم من وجهة نظر عالمية؟ وإجابتنا الآن، بصورة مؤقتة، هي: نعم.

لقد زودتنا العلوم الطبيعية الحديثة بالية أضفى ازدهارها المطرد على تاريخ الإنسانية عبر القرون الماضية غائية وتماسكا منطقيا. وقد باتت هذه الآلية عالمية في عصرنا هذا الذي لم يعد بمقدورنا فيه أن نعتبر تجارب الإنسانية في مجموعها هي تجارب أوروبا وأمريكا الشمالية. فبصرف النظر

عن القبائل في أدغال البرازيل وغينيا الجديدة الآخذة في الاندثار سريعا، لا نجد سلالة بشرية واحدة لم تتأثر بهذه الالية ولم ترتبط بسائر سلالات البشر بفضل الصلات الاقتصادية العالمية التي بخلقها الاستهلاك الحديث، وإنها لنظرة عالمية لا إقليمية ضيقة تلك التي تدرك أن ثمة حضارة عالمية حقيقية قد بزغت خلال القرون القليلة الماضية، محورها النمو الاقتصادي القائم على التكنولوجيا، والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية اللازمة لتحقيق هذا النمو والحفاظ عليه. أما المجتمعات التي سعت إلى مقاومة هذه الوحدة، كاليابان في عهد توکو جاوا أو الدولة العثمانية أو الاتحاد السوفييتي أو جمهورية الصين الشعبية أو بورما أو إيران، فقد اضطرت إلى خوض معركة دفاعية لم تستمر لأكثر من جيل أو جيلين. فمن لم تهزمه منهم التكنولوجيا العسكرية المتفوقة، اغراء بريق الثروة والعلوم الطبيعية الحديثة التي خلقت هذه الثروة. ومع أنه ليس بمقدور كل الدول أن تصبح مجتمعات استهلاكية في المستقبل القريب، إلا أننا لا نكاد نجد مجتمعا واحدا في عالمنا الآن لا يتطلع صوب هذه الغاية.

فإن أخذنا في الاعتبار قوة العلوم الطبيعية الحديثة، بات من الصعب الدفاع عن فكرة الدورات التاريخية، وليس معنى هذا أن التاريخ لا يعيد نفسه. فقراء ثيوسيديدم يمكنهم ملاحظة الشبه بين تنافس أثينا وأسبرطة وبين صراع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفبيتي. كذلك فإن أولئك الذين درسوا تکرار قيام وسقوط دول كبيرة معينة في الماضي، وقارنوها بقيام وسقوط الدول الكبيرة في التاريخ المعاصر، ليسوا مخطئين في إشارتهم لأوجه الشبه، غير أن تكرار ظهور أنماط تاريخية معينة طويلة الأمد لا يتنافى مع وجود تاريخ ديالكتيكي غاني، ما دمنا نقدر وجود الذاكرة والحركة بين فترات تكرر هذه الأنماط. إن الديمقراطية الأثينية مختلفة عن الديمقراطية الحديثة، وليس ثمة دولة معاصرة شبيهة بإسبرطة، رغم توافر أوجه شبه معينة بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت