الصفحة 236 من 376

اليابان وغيرها من دول جنوب شرق آسيا في المدى البعيد. غير أن تدخل الدولة في السوق، متى تم بصورة فعالة وظل ملتزما بالخطوط العريضة للسوق التنافسية، بوسعه أن يحقق مستويات عالية جدا من النمو. فالمخططون في تايوان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات استطاعوا نقل موارد الاستثمار من الصناعات الخفيفة كصناعة النسيج إلى صناعات أكثر تقدما كالإليكترونيات وأشباه الموصلات، بالرغم مما تسبب فيه ذلك من الام كثيرة وبطالة واسعة في القطاع الأول. وإنما نجحت السياسة الصناعية في تايوان لمجرد أن الدولة استطاعت أن تحمى التكنوقراطيين المخططين لها من الضغوط السياسية، فتمكنوا من تعزيز السوق ومن اتخاذ القرارات وفق معايير الكفاءة. وبعبارة أخرى، نجحت هذه السياسة لأن تايوان لم تكن محكومة بنظام ديموقراطي. وليس من المحتمل أن تنجح السياسة الصناعية الأمريكية بهذا القدر في تعزيز التنافس الاقتصادي، لأن أمريكا أكثر ديموقراطية من تايوان أو دول جنوب شرق آسيا الأخرى، ولأن مسار التخطيط في أمريكا عرضة لأن يقع بسرعة فريسة لضغوط الكونجرس من أجل حماية صناعات لا تتمتع بالكفاءة، أو لتشجيع صناعات تخدم مصالح خاصة.

ثمة علاقة أكيدة إذن بين التنمية الاقتصادية والديموقراطية الليبرالية يمكن ملاحظتها بمجرد إلقاء نظرة على أوضاع العالم. غير أن طبيعة هذه العلاقة هي أكثر تعقيدا مما يبدو لأول وهلة، ولا يمكن تفسيرها على ضوء النظريات التي عرضناها حتى الآن. ذلك أن منطق العلوم الطبيعية الحديثة ومسار التصنيع الذي تولده هذه العلوم، لا يشيران إلى اتجاه واحد في مجال السياسة، مثلما هو الحال في مجال الاقتصاد. قد تكون الديموقراطية الليبرالية مناسبة للنضج الصناعي، وقد يفضلها مواطنو دول كثيرة من الدول المتقدمة الصناعية. غير أنه ليس ثمة رابطة حتمية بين الاثنين. فالالية التي تحكم تاريخنا الغائي قد تؤدي إلى نظم ديكتاتورية بيروقراطية، مثلما قد تؤدي أيضا إلى نظم ليبرالية. فعلينا إذن أن نبحث عن تفسير آخر للأزمة الراهنة في النظم الديكتاتورية وللثورة الديموقراطية التي تعم عالمنا اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت