الصفحة 234 من 376

ضرائب تقارب بين الأجور، وحماية الصناعات الفاشلة غير المتنافسة، فينجم بالتالي عجز في الميزانية ومعدل التضخم أكبر مما في غيرها من الأنظمة. فإن أردنا مثلا واحدا على هذا نجد أن الولايات المتحدة قد أنفقت خلال الثمانينيات أكثر من قيمة ما أنتجته، فنتج عن ذلك عجز متزايد في الميزانية، وإضرار باحتمالات النمو الاقتصادي في المستقبل، وحذ من الخيارات أمام الأجيال القادمة من أجل الحفاظ على المستوى الحالي المرتفع للاستهلاك. وبالرغم من انتشار القلق إزاء احتمال أن يلحق مثل هذا التبذير ضررا في المدى البعيد في المجالين الاقتصادي والسياسي، فإن النظام الديموقراطي الأمريكي كان عاجزا عن مواجهة المشكلة مواجهة فعالة، بالنظر إلى عجزه عن تصور توزيع عادل للعبء الناجم عن خفض الميزانية وزيادة الضرائب، وبالتالي يمكن القول بأن الديموقراطية في أمريكا لم تظهر درجة عالية من الكفاءة الاقتصادية في الحقبة الأخيرة.

وأما الأنظمة الديكتاتورية فأكبر قدرة من حيث المبدأ على انتهاج سياسات اقتصادية ليبرالية لا تعرقل النمو فيها أهداف إعادة توزيع الثروة أو الأعباء الاقتصادية. وهي غير مسؤولة أمام العاملين في الصناعات المتدهورة، ولا مضطرة إلى إعانة قطاعات غير كفء لمجرد تمنع الأخيرة بنفوذ في الميدان السياسي. بل إن باستطاعة هذه الأنظمة أن تستخدم سلطة الدولة في تخفيض مستوى الاستهلاك لخدمة هدف النمر على المدى البعيد. وقد استطاعت حكومة كوريا الجنوبية خلال فترة النمو السريع في الستينيات أن تقمع المطالبات بزيادة الأجور عن طريق حظر الإضراب وحظر الحديث عن ضرورة زيادة استهلاك العمال وتحسين أحوالهم المعيشية، وفي مقابل ذلك نجد أنه بانتقال كوريا الجنوبية إلى الحكم الديموقراطي عام 1987، أدى ذلك إلى انتشار الإضرابات بصورة رهيبة وعودة المطالبة برفع الأجور مما اضطر النظام الجديد المنتخب ديموقراطيا إلى الرضوخ لها. وكانت النتيجة أن زادت تكاليف العمالة الكورية بشكل ملحوظ، مع الحد من المنافسة. وقد كان بوسع الأنظمة الشيوعية بطبيعة الحال أن تحقق معدلات مرتفعة للغاية من المدخرات والاستثمارات بفضل قسوة استخفافها باحتياجات المستهلكين. غير أن نموها على المدى الطويل وقدرتها على التحديث شل منهما الافتقار إلى المنافسة , أما الأنظمة الديكتاتورية الأخذة بنظام السوق فتستفيد من الوضعين: فهي قادرة على فرض درجة عالية نسبيا من النظام الاجتماعي على شعبها، في حين تسمح بدرجة من الحرية كافية لتشجيع الابتكار ولتبني أحدث التكنولوجيات.

فإن ذهب البعض في معرض بيانه لعدم كفاءة الديموقراطية إلى أنها تستهتر أكثر مما ينبغي باعتبارات السوق لصالح إعادة التوزيع والمعدل الراهن للاستهلاك، فإن البعض الأخر يذهب إلى أنها لا تستخف باعتبارات السوق بالدرجة الكافية، صحيح أن النظم الديكتاتورية الآخذة بنظام السوق هي من نواح عديدة أكثر استخداما لسلطة الدولة في سياساتها الاقتصادية من الديموقراطيات المتقدمة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، غير أن هذه النزعة للاعتماد على سلطة الدولة تستهدف أساسا الإسراع بالتنمية الاقتصادية وليس إعادة التوزيع والعدالة الاجتماعية، أو ما شابه ذلك من أهداف. وليس من الواضح ما إذا كان ما يسمى بالسياسات الصناعية القائلة بإعانة أو مساعدة قطاعات اقتصادية معينة على حساب قطاعات أخرى، ستعرقل أو ستساعد اقتصادات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت