وكان بوسع إيمانويل كانط، على رصانته ورجوح عقله، أن يذهب جادا إلى أن الحرب تخدم الأعراض الالهية. أما بعد هيروشيما فقد بات الناس ينظرون إلى الحروب كافة باعتبارها. في أفضل الحالات - شرا لا بد منه، وقد كان بوسع عالم اللاهوت القديس توما الأكويني، على ورعه و قداسته، أن يؤكد جادا أن الطغاة يخدمون الأغراض الإلهية، إذ بدونهم تنتفي فرص الاستشهاد. أما بعد أوشفيتز فإن أي إنسان ينكر هذه الحجة يتهم بالكفر .. فبعد تلك الأحداث الرمية التي وقعت في قلب العالم التكنولوجي المستنير الحديث، هل لا يزال بالوسع أن تؤمن بإله يمثل التقدم الضروري أكثر مما نؤمن بإله تتجلى قدرته في صورة عناية إلهية ترقب مسيرة الكون؟
إميل فاكنهايم: «الله في التاريخ (1) .
يمكن القول في ثقة بأن القرن العشرين قد غرس فينا جميعا تشاؤما تاريخيا عميقا.
باستطاعتنا. بطبيعة الحال كأفراد - أن نستشعر التفاؤل فيما يتصل بتوقعاتنا الخاصة عن الصحة والسعادة. كذلك يوصف الأمريكيون بأنهم دائما، وبحكم تكوينهم، متفائلون بالنسبة للمستقبل. غير أننا متى طرقنا موضوعات أوسع، كموضوع ما إذا كان أو سيكون ثمة تقدم في طيات التاريخ، وجدنا الإجابة مختلفة بكل تأكيد. فأكثر أهل هذا القرن تعقلا وأعمقهم فكرا لم يروا سببا يدفعهم إلى الاعتقاد بأن العالم يتقدم نحو ما يراه الغرب مؤسسات سياسية انسانية فاضلة تمثلها الديموقراطية الليبرالية. وقد استخلص أعمق مفكرينا من ذلك أنه ليس ثمة ما يمكن أن ندعوه بالتاريخ، أي أنه ليس ثمة نظام له مغزاه يحكم تيار الأحداث البشرية واسعة النطاق. والظاهر أن تجاربنا علمتنا أنه من الأرجح أن يحمل المستقبل في طياته شرورا جديدة لا يمكن تخيلها، كالديكتاتوريات القائمة على التعصب، وعمليات الإبادة الدموية الجماعية، أو ابتذال الحياة بسبب غلبة الروح الاستهلاكية على المجتمع الحديث، وأن في انتظارنا كوارث لم تعهد من قبل، بدءا من الشتاء النووي نتيجة استخدام الأسلحة النووية أو الاحترار العالمي بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض تدريجيا.
هذا التشاؤم السائد في القرن العشرين هو على طرف نقيض من تفاؤل القرن الماضي. فبالرغم من أن أوروبا عرفت في بداية القرن التاسع عشر هزات عنيفة سببتها الثورة والحروب، فقد كان