الصفحة 36 من 376

وإذا سرنا على نهج فكر نيتشه فسنجد لزاما أن نطرح الأسئلة التالية: أليس الانسان القانع تماما بمجرد الاعتراف العام و المساواة دون سواهما إنما هو كائن أقل قدرا من الانسان الكامل، وجديرا بالاحتقار، وخاتم بشر عاطل من الاجتهاد ومن الطموح؟ أليس ثمة جانب للشخصية الإنسانية يسعى عامدا إلى الصراع، والخطر، والمخاطرة، والإقدام، وهل سيظل هذا الجانب دون إشباع في ظل، السلام والرخاء في الديموقراطيات الليبرالية المعاصرة؟ ألا يتوقف رضا بعض البشر على اعتراف وتقدير هو في جوهره اعتراف وتقدير رافض للمساواة؟ ثم ألا تشكل الرغبة في الاعتراف والتقدير غير المتكافيء أساس الحياة المرغوب فيها، ليس فقط في المجتمعات الأرستوقراطية القديمة، وإنما أيضا في الديموقراطيات الليبرالية الحديثة؟ ألن يتوقف بقاؤها في المستقبل - إلى حد ما. على الدرجة التي يسعى بها مواطنوها إلى الاعتراف بهم لا على أنهم أنداد الغيرهم، وإنما باعتبارهم متفوقين على غيرهم؟ ثم ألن يؤدي خوف الناس من أن يصيروا و خاتم بشر و حقراء إلى محاولة منهم لإثبات تفوقهم بوسائل جديدة غير متوقعة، ولدرجة أن يصبحوا مرة أخرى، أول البشر،، البدائيين المتوحشين الغارقين في معارك دموية من أجل المنزلة، ومستخدمين هذه المرة أسلحة حديثة؟

في نيتي أن أجيب في هذا الكتاب عن هذه الأسئلة، وهي أسئلة تثور بصورة طبيعية مني ما تساءلنا عما إذا كان ثمة شيء اسمه التقدم، وعما إذا كان بمقدورنا بناء تاريخ عالمي للبشرية متماسك وغائي. لقد شغلتنا النزعات الشمولية عند اليمين واليسار عن محاولة الإجابة عن هذا السؤال الأخير إجابة جادة طوال الشطر الأكبر من القرن الحالي. غير أن أفول نجم هذه الأنظمة الشمولية باقتراب القرن من نهايته، يدعونا إلى إثارة هذا السؤال القديم مرة أخري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت