من التاريخ البشري، باعتبارها جهدا في سبيل حل مشكلة الحصول على الاعتراف والتقدير. فالاعتراف والتقدير هو مشكلة السياسة الأساسية لأنها منبع الطغيان، والامبريالية، والرغبة في السيطرة. غير أنه بالرغم من جانبها المظلم، فإنه ليس بالوسع استئصالها ببساطة من الحياة السياسية لأنها تشكل في نفس الوقت الأساس السيكولوجي للفضائل السياسية مثل الشجاعة والهمة والغضب الكرامة والعدالة، والمجتمعات السياسية كافة عليها استغلال الرغبة في الحصول على الاعتراف والتقدير في الوقت الذي تسعى فيه إلى حماية نفسها من آثارها المدمرة. فإن كانت الحكومات الدستورية المعاصرة قد اهتدت إلى صياغة توفر الاعتراف والتقدير للجميع بشكل يحول مع ذلك دون ظهور الطغيان، فإن من حقها بالفعل أن تفخر بالاستقرار والقدرة على البقاء وسط الأنظمة المختلفة التي ظهرت في عالمنا.
ولكن، هل الاعتراف المتوافر لمواطني الديموقراطيات الليبرالية المعاصرة ومرض تماما،؟ إن المستقبل طويل المدى للديموقراطية الليبرالية والبدائل لها التي قد تظهر في يوم ما، تتوقف قبل كل شيء على الإجابة عن هذا السؤال. وسنسجل في الجزء الخامس استجابتين عامتين، من اليسار ومن اليمين على التوالي، فقد يذهب اليسار الى أن الاعتراف والتقدير العام في الديموقراطية الليبرالية هو بالضرورة اعتراف وتقدير ناقص حيث إن الرأسمالية تتسبب في خلق عدم مساواة اقتصادية، وتتطلب تقسيما في العمل يعني بالضرورة اعترافا غير متكافيء، وفي هذا المقام فإن مستوى الرخاء المطلق في أمة ما لا يوفر حلا، حيث إنه سيظل فيها من هم فقراء نسبيا ومن ثم لا ينظر إليهم إخوانهم من المواطنين باعتبارهم بشرا. ومعنى هذا بعبارة أخرى، أن تقدير الديموقراطية الليبرالية لأناس متساوين، سيظل تقديرا غير متساو.
أما الانتقاد الثاني (وهو في رأيي انتقاد أقوى) للاعتراف والتقدير العام فيأتي من اليمين الذي أقلقه قلقا عميقا أثر التزام الثورة الفرنسية بالمساواة بين البشر في إزالة الاختلاف والتميز بين الأفراد. وقد كان الفيلسوف فريدريك نيتشه أبرز متحدث عن اليمين، وإن كانت أراؤه قد سبق أن عبر عن بعض جوانبها ذلك الدارس العظيم للمجتمعات الديموقراطية، وأعني به الكسيس دو توكفيل. لقد كان نيتشه يعتقد أن الديموقراطية الحديثة لا تمثل مرحلة يصبح فيها عبيد الماضي سادة أنفسهم، وإنما تمثل انتصارا كاملا للعبيد والأخلاقيات العبيد. فالمواطن النموذجي في الديموقراطيات الليبرالية هو، خاتم البشر، الذي رباه مؤسسو الليبرالية الحديثة على أن يتخلى عن اعتزازه و إيمانه بتفوقه في مقابل البقاء والراحة .. لقد أنجبت الديموقراطية الليبرالية , أناسا الا صدور لهم،، يجمعون بين الرغبة والعقل ويفتقرون إلى الثيموس، مهرة في اكتشاف وسائل
جديدة لإشباع حشد من الرغبات الحقيرة عن طريق مراعاة الصالح الشخصي بعيد المدى. ولن تكون لدى خاتم البشر أية رغبة في أن يعترف به باعتباره أعظم من الآخرين، وبالتالي فإنه في ظل انعدام هذه الرغبة، لا يمكن بلوغ أي تميز أو إنجاز خارق. إنه قانع بسعادته، غير قادر على الإحساس بالخجل من إنه عاجز عن الارتقاء فوق مستوى احتياجاته. وبالتالي فإن خاتم البشر لم يعد بشرا.