ونحن نقف على أعتاب حقبة مهمة، حقبة اختمار، عندما تنطلق الروح طفرة واحدة الى الأمام، تعلو فوق صورتها السابقة، وتتجلى في صورة جديدة. إن كل تصوراتنا ومفاهيمنا وقيودنا التي تحكم رباط عالمنا آخذة في التحلل، تتبدد مثل رؤى الأحلام. وهاهو ذا طور جديد من أطوار الروح في سبيله إلى التكوين. وأحرى بالفلسفة، قبل سواها، أن تحتفي بظهوره وتقر به بينما الآخرون المعارضون له عن عجز ووهن يتشبثون بأهداب الماضي،،
ج. ف. ف. هيجل: من محاضرة ألقاها في 18 سبتمبر 111801).
قد عرف اليسار الشيوعي واليمين المستبد معا إفلاما في الأفكار الجادة القادرة على حماية وتثبيت التلاحم السياسي الداخلي لنظم الحكم القوية، سواء كانت قائمة على أحزاب مفردة محكمة التنظيم، أو مستندة إلى عصبة من العسكريين، أو ديكتاتوريات محورها شخصية الزعيم، وقد كان معنى الافتقار إلى السلطة الشرعية أنه كلما واجهت الحكومة المستبدة فشلا في مجال سياسي معين، لم يكن بوسع النظام أن يلجأ إلى مبدأ أعلى يحتمي به. وقد شبه البعض الشرعية بنوع من الاحتياطي النقدي، فكل الحكومات، ديموقراطية كانت أم استبدادية، تمر بأيام حلوة وأيام مرة. غير أن الحكومات الشرعية وحدها هي التي تملك ذلك الاحتياطي، تستعين به في أوقات الأزمة.
كان ضعف الأنظمة الاستبدادية اليمينية مائلا في فشلها في التحكم في المجتمع المدني. فإن كانت قد وصلت إلى الحكم بنوع من التفويض کي تعيد النظام إلى نصابه، أو کي تفرض و الانتظام في الحياة الاقتصادية، فإن الكثير منها لم يصادف نجاحا أكبر مما لاقته الأنظمة الديموقراطية السابقة عليها فيما يتصل بتشجيع نمو اقتصادي مطرد أو خلق وعي بالنظام الاجتماعي، وأما تلك التي صادفت النجاح فقد ارتد كيدها إلى نحرها، حيث إن المجتمعات التي تربعت على قمتها بدأ أفرادها يشبون عن الطوق بارتفاع مستوى تعليمهم ومعيشتهم، ويتحولهم إلى طبقة متوسطة. وإذا بهتت في الأذهان ذكرى الظروف الطارئة التي بررت في وقت ما قيام حكومة قوية، لم تعد تلك المجتمعات مستعدة كما كانت في الماضي لاحتمال حكم عسكري.
وقد سعت الحكومات الشمولية اليسارية إلى تجنب هذه المشكلات عن طريق إخضاع المجتمع