الصفحة 102 من 376

المدني بأسره لسيطرتها، بما في ذلك طبيعة تفكير المواطنين. غير أن مثل هذا النظام. في صورته المثالية المحضة. لا يمكنه البقاء إلا بفضل إرهاب من شأنه في النهاية أن يهدد الحكام أنفسهم. فإن خفت وطأة الإرهاب بدأت عملية طويلة المدى من التحلل تفقد أثناءها الدول هيمنتها على جوانب رئيسية معينة في الحياة المدنية، وأهمها النظام العقيدي. وحيث إن النظرية الاشتراكية الخاصة بالنمو الاقتصادي كانت قاصرة، فإن الدولة لا تستطيع منع مواطنيها من إدراك هذه الحقيقة و استنتاج بعد ذلك ما شاءوا من نتائج.

كذلك فإنه ليس بوسع الكثير من الأنظمة الشمولية أن تبقى على حالها بعد أزمة أو أكثر من أزمات الصراع على الخلافة. ففي غياب قواعد الخلافة مقبولة من الجميع، سيكون أمام أي متنافس طموح على السلطة إغراء إثارة الشك في النظام كله بدعوته. أثناء صراعه مع منافسيه. إلى إصلاحات جذرية. ذلك أن فرصة الربح بورقة , الإصلاح و فرصة قوية، لأن السخط على الأنظمة الستالينية شديد في كل مكان، ولذا فقد استخدم خروتشوف مناهضة الستالينية ضد بريا ومالينكوف، واستخدمها جورباتشوف ضد منافسيه في عهد بريجنيف، وأستخدمها جاو زيانج ضد الى بنج المتشدد، وليس من المهم في الواقع أن تتساءل عما إذا كانت الشخصيات أو الجماعات المتصارعة على السلطة، ديموقراطية حقا أم لا مادام الصراع على الخلافة يميل إلى الزعزعة من مصداقية النظام القديم بفضحه مثالبه الحتمية. أما القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة التي هي أكثر إخلاصا في تعلقها بالأفكار الليبرالية، فقد أطلقت من عقالها وسرعان ما أفلتت من هيمنة أولئك الذين خططوا للإصلاحات المحدودة الأولى،

وقد كان معني ضعف الدول القوية، أن الكثير من الأنظمة الاستبدادية السابقة قد أفسحت الطريق الآن أمام الديموقراطية، وأن دول «ما بعد الشمولية و أصبحت مجرد أنظمة استبدادية إن لم تصبح دولا ديموقراطية. فالاتحاد السوفييتي قد تنازل عن السلطة للجمهوريات المكونة له، ورغم أن الصين لا تزال ديكتاتورية، فإن النظام فيها قد فقد هيمنته على قطاعات اجتماعية مهمة. ولم يعد لدي أي من هاتين الدولتين تلك الأيديولوجية المتماسكة التي وفرتها لها في وقت ما الماركسية اللينينية. فالمحافظون المعادون للإصلاح في الاتحاد السوفييتي يمكن أن يعلقوا على جدران مساكنهم أيقونة أرثوذوكسية أو صورة للينين. كما كان مديرو الانقلاب الفاشل في أغسطس 1991 أشبه ما يكونون بقادة انقلاب عسكري في دولة من دول أمريكا اللاتينية، بالنظر إلى ما لعبه ضباط الجيش ومسئولو الشرطة من دور رئيسي في محاولة الانقلاب.

وإلى جانب أزمة الاستبداد السياسي، شهد المجال الاقتصادي ثورة أقل حدة وإن لم تكن أقل أهمية. فأما التطور الذي كان مظهر هذه الثورة وسببها في آن واحد، فهو النمو الاقتصادي المذهل الدول في شرقي آسيا منذ الحرب العالمية الثانية، ولم يقتصر هذا النجاح على دول بدأت عملية

التحديث مبكرا مثل اليابان، وإنما اتسع نطاقه حتى شمل فيما بعد كل الدول الآسيوية المستعدة التبني مباديء السوق والاندماج الكامل في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. وكان معني نجاحها أن الدول الفقيرة التي لا تملك من الموارد غير العمل الدائب لسكانها يمكنها أن تستفيد من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت