انفتاح النظام الاقتصادي الدولي وأن تخلق لنفسها قدرا من الثروات الجديدة التي لم تكن لتحلم بها، وهو ما من شأنه أن يضيق الفجوة بسرعة بينها وبين الدول الكبرى الرأسمالية الأكثر رسوخا في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وقد راقبت دول العالم باهتمام المعجزة الاقتصادية في شرقي أسيا، وكان أكثرها اهتماما بها دول الكتلة الشيوعية، والواقع أن الأزمة الشيوعية الأخيرة بدأت، بوجه من الوجوه، حين أدركت الزعامة الصينية أن الدول الرأسمالية الأسيوية قد خلفت الصين وراءها، وأن التخطيط المركزي الاشتراكي قد حكم على الصين بالتخلف والفقر. وقد أدت الإصلاحات الليبرالية الصينية فيما بعد إلى مضاعفة إنتاج الغلال في خمس سنوات، ووفرت دليلا جديدا على قوة مباديء السوق، وقد استوعب الاقتصاديون السوفييت بعد ذلك دروس الدول الاسيوية، وهم الذين يدركون عدم فعالية التخطيط المركزي وما أدى إليه من إهدار رهيب لثروة بلادهم. أما شعوب أوروبا الشرقية فكانت أقل حاجة إلى استيعاب هذه الدروس، إذ كانت تفهم على نحو أفضل من الشيوعيين الأخرين كيف أن فشلها في الوصول الى مستوى المعيشة السائد لدى إخوانها من الشعوب الأوروبية في الغرب، هو نتيجة النظام الاشتراكي الذي فرضه عليها السوفييت بعد الحرب.
بيد أن المراقبين للمعجزة الاقتصادية في شرقي آسيا لم يكونوا كلهم من الكتلة الشيوعية. فقد حدث تغير مذهل في الفكر الاقتصادي في أمريكا اللاتينية أيضا (2) , ففي الخمسينيات، حين كان الاقتصادي الأرجنتيني راءول بريبيش رئيسا للجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة والمعنية بأمريكا اللاتينية، شاعت نسبة التخلف في أمريكا اللاتينية، بل وفي كل العالم الثالث، إلى النظام الرأسمالي العالمي، وقيل وقتها إن بناة الاقتصاد الأول في أوروبا وأمريكا إنما أقاموا بناء الاقتصاد العالمي
على أسس موافقة لمصالح دولهم، وحكموا على من تلاهم بأن يكونوا في مركز التبعية لهم باعتبارهم موردين للمواد الخام. غير أن هذا المفهوم تغير تماما بحلول أوائل التسعينيات , فالرئيس کارلوس ساليناس دي جورتاري في المكسيك، والرئيس كارلوس منعم في الأرجنتين، والرئيس فرناندو كولور دوميللو في البرازيل، سعوا جميعا إلى إنجاز برامج واسعة النطاق من التحرر الاقتصادي عقب توليهم السلطة، وتقبلوا فكرة الحاجة إلى التنافس في السوق، وإلى الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وقد كانت شيلي سايقة عليهم في تطبيق المبادئ الاقتصادية الحرة في ظل نظام بينوشيه في الثمانينيات، بحيث أضحى اقتصادها (بعد أن تخلصت من ديكتاتورية بينوشيه، وحل مكانه الرئيس باتريشيو ألوين) أفضل اقتصاد في أمريكا الجنوبية. وقد كانت نقطة البداية عند هؤلاء الزعماء الجدد المنتخبين على أسس ديموقراطية هي أن التخلف ليس ناجما عن الظلم اللصيق بالرأسمالية، بقدر ما هو ناجم عن عدم تطبيق بلادهم في الماضي للرأسمالية بدرجة كافية. وقد أضحى التوسع في نشاط القطاع الخاص وإطلاق حرية التجارة الشعارين الجديدين اللذين حلا محل شعاري التأميم والاستغناء عن الواردات. وأما الفكر الماركسي المتزمت لدي مثقفي أمريكا اللاتينية فقد لقي تحديا متزايدا من جانب كتاب مثل هيرناندو در سونو، وماريو فارجاس لوزا، وكارلوس رانجيل، ممن تمكنوا من إقناع شطر هام من الناس بأفكارهم الاقتصادية الليبرالية الموافقة المقتضيات السوق.