وإذ تقترب البشرية من نهاية الألف الثانية بعد الميلاد، نتبين أن الأزمة المزدوجة في الشمولية وفي التخطيط المركزي الاشتراكي لم تترك غير متنافس وأحد في حلبة المصارعة، باعتباره الأيديولوجيا التي يمكن أن يقتنع العالم كله بصلاحيتها، ألا وهي الديموقراطية الليبرالية، ومبدأ الحرية الفردية وسيادة الشعب. إن مبدأي الحرية والمساواة اللذين أشعلا في البداية الثورتين الفرنسية والأمريكية، يؤكدان بعد مائتي عام ليس فقط رسوخهما، بل وقدرتهما على الانطلاق في حيوية من جديد (3) .
ومع الارتباط الوثيق بين الليبرالية والديموقراطية فإنهما مفهومان مستقلان. إذ يمكن ببساطة تعريف الليبرالية السياسية بأنها قاعدة قانونية تعترف بحريات وحقوق معينة للفرد غير خاضعة السيطرة الحكومة. ومع أن ثمة تعريفات متنوعة عديدة للحقوق الأساسية، فإننا سنستخدم منها التعريف الوارد في كتاب لورد برايس الشهير عن الديموقراطية والذي يقصر هذه الحقوق على ثلاثة: الحقوق المدنية، و أي تحرير شخص المواطن وممتلكاته من سيطرة الحكومة، والحقوق الدينية، و أي السماح بحرية التعبير عن الاراء الدينية وممارسة العبادة، وما يسميه بالحقوق السياسية، و أي تحرير المواطن من سيطرة الحكومة في الأمور التي لا يبدو بوضوح أنها تؤثر في صالح المجتمع كله تأثيرا يحتم تدخل الدولة. وتتضمن هذه الحقوق الأخيرة حرية الصحافة باعتبارها حقا أساسيا (4) . وقد كان من عادة الدول الاشتراكية أن تؤكد الحاجة إلى الاعتراف بحقوق اقتصادية متنوعة من المرتبة الثانية أو الثالثة مثل الحق في العمل أو المسكن أو الرعاية الصحية، ومشكلة هذه القائمة الموسعة هي أن ضمان تلك الحقوق لا يتفق تماما مع حقوق أخرى مثل حق التملك وحق التبادل التجاري الحر. وسنلتزم في تعريفنا بقائمة برايس للحقوق وهي الأكثر ايجازا واتساقا مع التقاليد، ومع الحقوق الواردة في ميثاق الحقوق الأمريكي.
أما الديموقراطية فهي الحق المعترف به من الجميع لكافة المواطنين في أن يكون لهم نصيب في السلطة السياسية، أي حق كافة المواطنين في الاقتراع والمشاركة في النشاط السياسي. ويمكن اعتبار حق المشاركة في السلطة السياسية حقا ليبراليا أخر (بل هو أهم الحقوق الليبرالية) ، ولهذا السبب كانت الليبرالية وثيقة الصلة تاريخيا بالديموقراطية.
ولكي نحكم على دولة ما بأنها ديموقراطية أو غير ديموقراطية سنستخدم تعريفا شكليا صارما للديموقراطية. فالدولة تكون ديموقراطية إن هي أعطت شعبها حق اختيار حكومته في انتخابات دورية متعددة الأحزاب سرية الاقتراع (ه) ، على أساس من حق الاقتراع العام والمتكافيء للمواطنين البالغين (6) ، صحيح أن الديموقراطية الشكلية وحدها لا تضمن دائما تكافؤ الاشتراك والحقوق. فقد تتلاعب الصفوة في الاجراءات الديموقراطية، وقد لا تعكس هذه الإجراءات دائما إرادة الشعب ومصالحه الحقيقية. غير أننا متى تركنا التعريف الشكلي، فإنما نتيح الفرصة لاحتمال الإساءة بغير حدود للمبدأ الديموقراطي، وفي قرننا هذا شن أكبر أعداء الديموقراطية هجوما على الديموقراطية و الشكلية، باسم الديموقراطية و الحقيقية .. وهذا هو التبرير الذي استخدمه لينين والحزب البلشفي حين حلا الجمعية التأسيسية الروسية وأعلنا ديكتاتورية الحزب التي زعما أنها ستحقق الديموقراطية الحقيقية - باسم الشعب. أما الديموقراطية الشكلية فتوفر ضمانات حقيقية