الصفحة 126 من 376

ولم يحدث قط، حتى في الأحلام، أن حلقات المخيلة التاريخية في أجواء أعلى مما بلغته اليوم. فتاريخ الإنسان هو مجرد استمرار لتاريخ الحيوان والنبات. وبوسع مؤرخ العالم أن يجد أثارا من ذاته حتى في الأعماق السفلى للبحر، في المادة الغروية الحية، وهو يقف مشدوها إذ يتأمل المسافة الشاسعة التي قطعها الانسان في علوه، وتنتابه الرعشة وهو يتأمل الأعجوبة الأعظم: ذلك الكائن البشري الحديث الذي يرى الطريق من أوله إلى آخره. إنه يقف فخورا على قمة هرم المسار العالمي، وإذ يضع الحجر الأخير من أحجار معرفته، يبدو وكأنما يصرخ عاليا في أذن الطبيعة المصغية إليه: قد بلغنا القمة! قد بلغنا القمة! واكتملت بنا الطبيعة!،

نيتشه:: استخدام التاريخ و إساءة استخدامه , (1) .

ليس و التاريخ العالمي للبشرية، وه تاريخ العالم، بعبارتين مترادفتين. فالأول ليس بقائمة موسوعية لكل ما هو معروف عن البشرية، وإنما هو محاولة لاكتشاف نمط ذي مغزي في تطور المجتمعات الإنسانية بوجه عام. ومحاولة كتابة تاريخ عالمي هي ذاتها ليست بالمحاولة العالمية المعروفة لدى كل الشعوب وكل الحضارات (2) . فبالرغم من أن التقاليد الفلسفية والتاريخية بدأت مع الإغريق، فإن الكتاب من الإغريق القدماء لم ينهضوا بمثل هذه المهمة قط. لقد تحدث أفلاطون في جمهوريته عن دورة طبيعية معينة للأنظمة، بينما ناقش ارسطو في كتابه، السياسة و أسباب الثورة وكيفية حلول نوع من الأنظمة محل نوع أخر (2) . وكان من رأى أرسطو أنه ما من نظام پوسعه أن يرضى المرء إرضاء تاما، وأن السخط قد يدفع الناس إلى إحلال نظام مكان نظام في دورة لا نهاية لها. ولم تحتل الديموقراطية عندهما مكانة خاصة في هذه العملية التي تحدثا عنها، لا فيما يتصل بفضائلها ولا ما يتصل بثباتها. وإنما كان من رأيهما معا أن الديموقراطية تميل إلى إفساح الطريق أمام الاستبداد. كذلك فإن أرسطو لم يفترض استمرار التاريخ، فهو يرى أن جذور دورة الأنظمة هي في دورة طبيعية أكبر، تحدث خلالها كوارث دورية كالفيضانات، فتقضي لا على المجتمعات البشرية القائمة فحسب، وإنما أيضا على كل الذكريات المتعلقة بها. لتجبر الانسان على أن يبدأ مساره التاريخي ثانية من بدايته (4) . فالتاريخ إذن في رأي الاغريق ليس علمانيا وإنما يدور في دورات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت