الصفحة 128 من 376

وأول روايات عن تاريخ عالمي حقيقي في التراث العربي هي روايات مسيحية (ه) . فبينما كانت ثمة محاولات يونانية ورومانية لكتابة تاريخ العالم المعروف في ذلك الوقت، فإن المسيحية هي أول من جاء بمفهوم المساواة بين البشر أمام الله، وتخيلت بذلك مصيرا مشتركا لكل شعوب الأرض. فمؤرخ مسيحي مثل القديس أوغسطين لم تكن تهمه التواريخ الخاصة بالإغريق أو باليهود باعتبارهم أغريقيين أو يهودا، وإنما كان يهمه خلاص الانسان بوصفه إنسانا، وهو حيث يشكل تحقيق الإرادة الالهية في الأرض. وما كل الأمم غير فروع في شجرة البشرية الكبرى، ولن يفهم مصيرها إلا على ضوء فهم التدبير الإلهي للبشر. كذلك أدخلت المسيحية مفهوم التاريخ باعتباره محدودا زمنيا، فهو يبدأ بخلق الله للانسان وينتهي بخلاص الإنسان النهائي (1) . ويؤمن المسيحيون بأن نهاية تاريخ كوكبنا هي بحلول يوم الحساب والذي يبدأ معه ملكوت السماء، و عندها تنتهي الأرض وأحداث الأرض. ويوضح المفهوم المسيحي للتاريخ أن «نهاية التاريخ، فكرة كامنة في كل التواريخ العالمية. ولا يمكن أن يكون لأحداث تاريخية معينة معنى إلا في ضوء علاقتها بهدف أو غاية أعظم. وهي غاية متى تحققت تنتهي بتحققها بالضرورة مسيرة التاريخ. فالهدف النهائي للبشرية هو وحده الذي يمكنه أن يفسر كل الأحداث.

وقد كان لانتعاش الاهتمام بالأقدمين أثناء عصر النهضة أثره في إضفاء أفق تاريخي للفكر لم يكن متوفرا لدى الأقدمين أنفسهم. فقد ذهب عدة كتاب في ذلك العصر. ومن بينهم باسكال - إلى أن تاريخ البشرية يمكن مقارنته بحياة الفرد، وأن الإنسان الحديث الذي يبني على أساس من انجازات الأوائل، هو في مرحلة، شيخوخة الجنس البشري (7) . غير أن أهم المحاولات المبكرة لكتابة تواريخ عالمية علمانية، إنما جاءت وقت وضع أسس المنهج العلمي في القرن السادس عشر. فالمنهج المرتبط في أذهاننا بجاليليو وبيكون وديكارت، يفترض إمكانية معرفة كنه الطبيعة ومن ثم السيطرة عليها، وهو ما يخضع بدوره لمجموعة من القوانين المترابطة العالمية، والمعرفة بهذه القوانين ليست فقط متاحة للانسان باعتباره انسانا، وأنما هي أيضا معرفة تراكمية، بحيث تعفي الأجيال المتتالية من جهد وأخطاء الأجيال الأسبق. وهكذا نبعت الفكرة الحديثة عن التقدم من نجاح العلوم الطبيعية الحديثة، وسمحت لفرانسيس بيكون بتأكيد تفوق العصر الحديث على العصور القديمة على أساس الاختراعات مثل البوصلة، والطباعة، والبارود. وقد عبر برنارد لو بوفييه عام 1988 أوضح تعبير عن فكرة التقدم باعتباره التحصيل التراكمي الذي لا ينتهي للمعرفة، إذ قال:

ا يمكن القول بأن العقل السليم المثقف يحوي كافة عقول أنام القرون الماضية , فهو ليس إلا نفس العقل المفرد الذي ظل ينمو طيلة الوقت ويحسن من نفسه ... غير أن من واجبي أن أعترف بأن صاحب هذا العقل الذي أتحدث عنه لن يعرف الشيخوخة. فسيكون درما. وبنفس الدرجة. قادر على الإتيان بالأمور اللائقة بشعباده، و ما تريد. و با قدرته على القيام بمهام تتفق مع عنفوان

و نما. و اينبار أحركها، وابن أسد و اين باره وز، سيلقي الإنسان دائما على اله دون تدهون، ولن نکر ية نهاية النمو الحكة البشرية و تطورها (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت